عصمة القرآن الكريم وجهالات المبشرين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: عصمةُ القرآنِ الكريمِ وجهالاتُ الْمُبَشِّرِينَ
المؤلف: د. إبراهيم عوض
الناشر: مكتبة زهراء الشرق - القاهرة
الطبعة الأولى 1426 هـ - 2005 م
عدد الأجزاء: 1
تنبيه:
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

(1/4)


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في البدء كانت هذه الكلمة!
منذ أن جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الإسلام، وهو وقرآنه يتعرضان لهجوم شرسٍ لا يرعى في منطقه ولا بواعثه إلاً ولا ذمة، هجومٍ كله باطل: هجومٍ ينطلق تارة من الوثنية والقبلية، وهو هجوم القرشيين. وتارة يقوم على العصبية القومية الغبية والأنانية الحاقدة الفتاكة، وهو هجوم اليهود، الذين لم يطيقوا أن يرَوْا نبياً من خارج بني إسرائيل، إذ كانوا يتوهمون أنهم أبناء الله، وأن الله إلههم وحدهم مهما كفروا ومهما اجترحوا من جرائم، وأنه لن يعذبهم إلا لأيام معدودة، فهم شعب الله المختار، وبقية الخلق "أغيار" منحطّون لا قيمة لهم. وتارة يقوم على رفض التوحيد النقي الذي لا يقر بوارثة البشرية لخطاٍ أبيهم آدم وأمهم حواء حين نسيا فأكلا من الشجرة المحرّمة فأهبطهما الله من الجنة، ولا بما يترتب على ذلك المبدأ الظالم الغريب من أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل ابنه الوحيد بعد خطاٍ آدم وحواء بأزمنة متطاولة كي يفتدي البشر من هذا الخطأ (أو فلنقل كما يقولون: كم هذه الخطيئة) ، وذلك بتألمه وموته على الصليب ممل يُعَدً صورة من صور الوثنيات القديمة، مع أن من المستحيل أن يكون لله سبحانه ولد، فالألوهية والتعدّد نقيضان لا يجتمعان في العقل أساساً.

(1/5)


وإني كلما تأملت هذا الهجوم الحاقد على الرسول الأعظم لم أجد له سبباً مقنعاً: لا إنسانياً ولا أخلاقياً ولا عقيدياً ولا.... ولا.... لقد دعا - صلى الله عليه وسلم - إلى أنقى صور التوحيد، وأكَّد أن رب الإسلام إلهَّ عادل رحيم تسبق رحمتُه غضبَه، ويجازي على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، على حين لا يجزي السيئة إلا بمثلها، وكثيراً ما يغفرها، إلهَّ لا يكلّف نفساً إلا وسعها، إلهّ لا يحاسب الأبناء بذنوب الآباء، إلهَّ يأخذ الناس بنياتهم لا بمظاهر أعمالهم، إله أقبر إلى عباده من حبل الوريد، إلهَّ يريد لهؤلاء العباد أن يسعَوْا وراء العلم وأن يستزيدوا منه وأن يفتحوا عيونهم وقلوبهم لتأمل الكون وما فيه من جمال، إلهَّ يحب العمل والإنتاج ويكره الثرثرة والكسل، إله لا يفرق بين البشر على أساس عرقي أو قومي أو قَبَلي بل على أساس من إيمانهم وأعمالهم الصالحة، فالبشر عنده سواسية، إلهَّ مفتّحة أبوابه ليل نهار للتوبة والحصول على الغفران دون وساطة من أحد أياً كان ودون أية تعقيدات أو إراقة دماء بشرية، إلهَّ يحضّ على العفو والتسامح ما أمكن، وإلا فليأخذ المظلوم حقه ممن ظلمه دون أي تثريب، إلهَّ يُحِلً الطيبات ويحرَم الخبائث ... إلخ مما لو ذهبتُ أستقصيه ما انتهيت.
كذلك كان رسولنا الكريم هو الصورة المثلى للإنسانية صبراً

(1/6)


وتسامحاً، وحُنُوًا على الضعف البشري، ورغبةً في تحويل هذا الضعف إلى قوة، وحضاً على تحصيل أسباب الحضارة من علم وعمل ونظام وخُلُقٍ طاهر وذوق راقٍ، وعدلاً في تطبيق القانون، وتوازناً في النظر إلى الدنيا والآخرة، والجسد والروح، فالدنيا طيبة ما دامت من حلال، والطعام والشراب والعطر والنساء مِنَنً من الله على عباده ليستمتعوا بها، ولكن بحقها وفي اعتدال ... وهلم جرا. ترى ما الذي في هذا أو في ذاك مما يمكن أن يكرهه عاقل سليم القلب مستقيم الضمير؟ وهل بعد رفض الدين الذين جاء به محمد يستطيع أي إنسان عاقل سليم القلب مستقيم الضمير أن يجد ديناً يصلح لاعتناقه والعمل به؟
وفي الفترة الأخيرة ازداد الهجوم على الإسلام ورسوله شراسةً ظناً من المهاجمين الحاقدين أن الفرصة سانحة لتوجيه ضربة قاضية إلى ذلك الذين في ظل ضعف المسلمين وهوانهم وتخلفهم، والواقع أن هؤلاء الحاقدين واهمون، فالإسلام، وإن كان المنتسبون إليه الآن ضعافاً أذلاء، هو دين قوي عزيز كريم يستحيل القضاء عليه، والأيام بيننا! ولقد مرت على المسلمين أزمان كانوا اشد ضعفاً وهواناً مما هم الآن، ولم يستطيع أعداء الإسلام أن ينالوا من دين الله منالاً، بل إن جوهرته لتزداد على الأيام ومعاودة الهجوم عليه تألقاً وجمالاً!

(1/7)


ومما ظهر في الفترة الأخيرة من كتب تهاجم الإسلام كتاب تافه صدر في النمسا سنة 1994م بعنوان "هل القرآن معصوم؟ " لشخص يتسمى باسم "عبد الله عبد الفادي" (أو بالأحرى: العبد الفاضي) راح يهاجم القرآن في رعونة وجهل، ويتهم لغته بالضعف والخطأ، ويحاول أن ينال من الرسول الكريم، الذي حتى لو صدقت كل افتراءات هذا الكاذب الأفاك هو وجميع المبشرين والمستشرقين عليه - صلى الله عليه وسلم - لكان من ذلك أفضل من أنبيائهم جميعاً حسبما يصور كتابهم المقدس هؤلاء الأنبياء: فنوح يشرب الخمر حتى يسكر وينطرح على الأرض عريان السوأة ثم يلعن حفيده كنعان لعناً شنيعاً لا لشيء إلا لأن حاماً أبا كنعان هذا قد تصادف أن رآه على هذه الحال. وإبراهيم يتنازل عن زوجته لأبيمالك خوفاً منه قائلاً إنها أخته، ولولا أن أبيمالك قد عرف حقيقة الأمر في المنام لوقعت الواقعة. ولوط تسقيه ابنتاه خمراً حتى يفقد وعيه ثم تنامان معه الواحدة بعد الأخرى لتحبلا منه. وموسى يقتل المصري عن عند وسبق إصرار وقسوة إجرامية أصلية، وحين يختاره الله

(1/8)


رسولاً إلى فرعون يردّ عليه سبحانه في جلافةٍ غريبة أغضبته سبحانه عليه. وهارون يصنع العجل الذهبي لبني إسرائيل ويبني له مذبحاً ويبارك عبادتهم له وطوافهم ورقصهم جولة عراةً صاخبين. وداود يرى امرأة قائده الحربي من فوق سطح قصره وهي تستحم عارية في فناء بيتها المجاور فيُحْضِرها إليه ويزني بها ثم يتخلص من زوجها بمؤامرة خسيسة لا يقدم عليها إلى القتلة المتوحشون كي يخلو له وجهها، ثم يتزوجها وينجب منها سليمان. وسليمان ينظم نشيداً غزلياً شهوانياً يتفوق فيه على كل شعراء المجون يصف فيه سُرّة الحبيبة وأثداءها وأفخاذها، كما يغض الطرف عن عبادة زوجاته للأوثان في بيته. وعيسى تُكِبً امرأة على رجليه تبللهما بالدموع وتمسحهما بشعر رأسها وتقبّل بفمها وتدهنهما بالطيب فيقول لها: "مغفورةً لك خطاياك"، وتأتيه أمه وإخوته يريدون أن يقابلوه فيرفض قائلاً إن أمه وأخوته هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها، مما لا يمكن أن يكون معناه إلا أنهم لم يكونوا من الذين يسمعون كلمة الله ويعلمون بها. وفي مناسبة أخرى يأمر اثنين من تلاميذه أن يدخلا إحدى القرى القريبة ويأتياه بجحش مربوط هناك دون استئذان من أصحابه ليركبه. وفي العشاء الأخير يمسك بكأس خمر ويقدمها لتلاميذه ليشربوا منها، بل إنه في أحد الأعراس التي دُعِيَ إليها قد حوّل نحو خمسة عشر متراً مكعباً من الماء إلى خمر ليشرب المدعوّون

(1/9)


ويسكروا، وكان هذا استجابةً لطلب أمه. وقد عدّ كاتبُ إنجيل يوحنا هذا العمل أولى معجزاته عليه السلام ... وهكذا، وهكذا مما هو مذكور في كتب القوم، وإن كنا نحن المسلمين لا نصدّق بشيء منه. ترى ما دام كذلك فلم يكرهون محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وهو لم يفعل ذلك ولا عُشْره بل ولا واحداً على مائة أو على ألف أو حتَّى على مليون منه؟ الواقع أن القوم، يسبب حقدهم، قد سُلِبَتْ منهم عقولهم فهم لا يفقهون!
والآن مع الكتاب السخيف الذي يظن صاحبه ومن يقفون وراءه أن بإمكانهم تشويه صورة الرسول والإجلاب على القرآن وعظمته وإعجازه. والواقع أني لم أردّ على كل الشبهات بل اقتصرت على الشبهات اللغوية وعدد كبير من الشبهات الأخرى التي تتناول مضمون القرآن، وفيها غُنْيَةَّ عما أرد عليه من اعتراضات. وقد كتبتُ هذه الصفحات وأنا بعيد عن المراجع الكتابية، اللهم إلا الترجمة الكاثوليكية للكتاب المقدس، ثم إني سطَّرتُها في وقت انشغال ببعض الأعباء والأبحاث الأخرى.
إبراهيم عوض
2003م

(1/10)


الفصل الأول (الشبهات اللغوية)

(1/11)


الشبهات اللغوية
في هذا الفصل نتناول ما سمّاه الجاهل بـ "الأسئلة اللغوية"، وهي الأسئلة الخمسة والعشرون التي عقد لها فصلاً مستقلاً غطى الصفحات 107 - 112. والهدف الذي يبتغيًاه من وراء هذه الشبهات هو أن يلقي في رُوع القراء بأن بالقرآن الكريم أخطاء لغوية، وهذه دليل على أنه لا يمكن أن يكون من عند الله، لأن الله لا يخطئ، وهو إذن من تأليف محمد، ولسوف أفاجئه وأسلك في الرد على هذا القيء سبيلاً لا يتوقعها هذا الجاهل ولا خطرت له ببال، إذ سأفترض أن محمداً هو فعلاً صاحب القرآن، ثم أعالجه بمفاجأة أخرى لا تقلّ عن الأولى إذهالاً إن لم تزد، هذه هي المسألة كما يقول شكسبير!
فالمعروف أن أية لغة هي من صنع أهلها الأوائل الذين تكون ممارستهم لها حينئذ بالسليقة، أي بدون أن يكونوا واعين تماماً بالقواعد التي تحكمها، بل يتشرًبها كل جيل من الجيل السابق عليه تشرَُباً، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تُجْمَع فيها اللغة وتُسْتَخْلَص قواعدها من كلام أهلها، فما قالوه يكون هو الصواب، وما لم يقولوه لا يكون مقبولاً.

(1/13)


ولْنُطبَّق الآن هذا الكلام على اللغة العربية: لقد كان الجاهليون يمارسون العربية بالسليقة، وكان كلامهم هو مقياس الخطأ والصواب، وبطبيعة الحال فإن شعراءهم وخطباءهم كانوا يمثًلون أرقى المستويات اللغوية لكونهم أفضل قومهم ثقافة وذوقاًَ أدبياً ورهافة حسّ، وكان محمد واحداً من هؤلاء المثقفين، مَثَلُه مَثَلُ امرئ القيس وطرفة وزهير والأعشى وقُسً بن ساعدة وحسًان بن ثابت وغيرهم من الشعراء والخطباء الذين أُخِذَتْ عنهم اللغة، ومن كلامهم قُعَّدَتْ قواعدها، فهل سمع أحد أن شخصاً قد خطأ أياً من هؤلاء الشعراء أو الخطباء؟ إن هذا لم يحدث، ولن يحدث. فقرآن محمد إذن هو، على أسوأ الفروض، مثل شعر امرئ القيس مثلاً أو خُطََب قس بن ساعدة، أي أنه هو المعيار الذي يُحْتَكَمُ إليِه ويؤخذ منه ويُهْتَدَي به،

(1/14)


إما أن تطاول أحد وتطلع إلى تخطئته فتلك هي الطامة الكبرى، وهذا ما فعله هذا الأحمق الموسوم بـ "العبد الفاضي"!
وفضلاً عن ذلك فينبغي ألا يفوتنا أنه لو كان في القرآن الكريم أي خطأ لغوي مهما تَفِهَ لملأ مشركو العرب صياحاً واستهزاء بمحمد. لقد افترَوْا عليه الأكاذيب ولم يألوا جهداً في اتهامه زوراً وبهتاناً بأنه مجنون وأنه ساحر وأنه كذاب وأنه إنما يعلمه بشر، ولكنْ رغم كل هذا لم يجرؤ أحد منهم قط أن يهمس مجرد همس بأن في القرآن أخطاء لغوية، مع كثرة ما تحداهم أن يأتوا بقرآن مثله أو بعشر سُوَرٍ منه أو حتى بسورة واحدة تشبه سُوَره، وكثرة ما نشب بينهم وبينه من حروب كلامية ومعارك بالسيف والرمح والحصان. فما معنى هذا؟ إن أعداء محمد من المبشرين لا يخجلون! ذلك أنهم إنما يحركهم الحقد والدناءة، وناس هذه دوافعهم كيف ننتظر منهم أن يُعْمِلوا عقولهم أو يتقوا ربهم؟
وطريقتنا مع الشُّبَه اللغوية التي لُقًنها العبد الفاضي كما يُلَقَّن الأطفال هي أن نذكر كل شبهة منها ونبيَّن نما فيها من رقاعة وجهل ثم ننفخ فيها نفخة خفيفة فتطير في الهواء هباءً منثوراً. ولكن قبل أن نبدأ نحب أن نوجه نظر القراء إلى أن معرفة هذا الجاهل بقواعد

(1/15)


اللغة العربية، حسبما يبدو من أسلوبه نفسه أو من الاعتراضات التي يثيرها ضد أسلوب القرآن، هي معرفة تافهة فجّة. وهذه جملة من أخطائه في الكتاب الذي بين أيدينا:
قال مثلاً: "فجملة السماوات والأراضي أربعة عشر" (ص 22) ، وصوابها لكل من له أدنى إلمام بقواعد اللغة هو: "أربع عشرة"، وقوله عن مريم أن المسيح عليه السلام: " ... مع أن بينها وبين عمران وهارون وموسى ألف وستمائة سنة" (ص 30) ، والصواب هو: "ألفاً وستمائة سنة"، وقوله: " ... مع أن بين الحادثتين زمن مديد" (ص 58) ، وصحته: "زمناً مديداً"، وقوله: "كيف يكون حال بيت يكذب فيه الزوجان على بعضهما؟ " (ص 68) ، والصحيح: "يكذب فيه الزوجان أحدهما على الآخر، أو يكذب فيه أحد الزوجين على الآخر"، أما ما قاله فهو كلام العوامّ من أشباهه. ومن أخطائه أيضاً قوله: "نتساءل إن كان ما رواه الأولون حقّ أم شبيه الحق" (ص 99) ، وصحته: "حقاً"، وقوله: "وتكون رسالة الأنبياء وتكليفهم بالكرازة والدعوة عبث لا ضرورة له ولا فائدة منه" (ص 103) ، وتصويبه: "عبثاً"، وقوله: " ... بشرط أن تجامع رجلاً غيره يسمَّى محلَل" (ص 139) ، وصوابه: "يسمَّى محلَّلاً، وقوله: "يعتقدون أن أحكامها ملغيَّة" (ص 198) ،

(1/16)


وتصحيحه: "مُلغاة"، وقوله: "خانوا نظام المجتمع بإتيانهم نسائهم بعد صلاة العشاء" (ص 201) ، وصحته "بإتيانهم نساءهم"، وقوله: "معروف أن لكل لغة أدباؤها" (ص 203) ، وتصويبه8: "أدباءها"، وقوله عن الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه: "كانت له عند وفاته تسع نسوة أحياء وسُرَّيَّتَيْن" (ص 207) ، والصحيح: "وسُرَّيَتان"، وقوله عن الرَّبَاعِيةَ إنها "الأسنان الأربعة الأمامية" (ص 24) ، والصواب أنها الواحدة من هذه الأسنان الأربع لا كلها، وقوله: "كانوا اثني عشر ألفا: العَشْر الذين حضروا فتح مكة، وألفان انضموا إليه من الطلقاء: هوازن وثقيفا"، وفيه غلطتان قبيحتان: "العَشْر" وصوابها: "العشرة" (أي عشرة الآلاف الذين حضروا فتح مكة"، ثم "وثقيفاً"، وصوابها: "وثقيف" (فهي معطوفة على "هوازن"، التي هي بدل من "الطُّلَقاء" المجرورة) ، وقوله: "فإذا أراد أن يزوج زينباً لابنه زيد ... ، وإذا أراد محمد زينباً ... " (ص 247) ، وصحته "زينبَ" بفتحة واحدة لأنه ممنوع من الصرف ... وهكذا.
ويبلغ خِزْيُُ هذا الجاهل أقصاه حين يخطئ القرآن الكريم في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ} ، إذ يتحذلق في تعالم سفيه مؤكداً أن وضع فتحة على همزة "ضرّاء" خطأ لأنها مجرورة، ومن

(1/17)


ثم يجب وضع كسرة تحتها (ص 108) . وفات هذا الأرعن أن "ضراء" ممنوعة من الصرف فتُجَرّ بفتحة واحدة كما هي في الآية، أما الجرّ بالكسر فلا تعرفه العربية إلا بكسرتين اثنتين لا بكسرة واحدة. بل إنه، لفَرْط جهله، يخطئ في نقل آية قرآنية دون أن يحسّ بأنه قد أتى شيئاً، ومرجع ذلك إلى بلاده إحساسه. جاء في كلامه عن نوح عليه السلام أن القرآن يقول "وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِون" (الصافات/ 77) ، وهي بنصب {الْبَاقِينَ} لا برفعها كما كتبها الأحمق.
وإن الإنسان ليذهل من إقدام مثل هذا الجاهل الغشوم الذي يخطئ تلك الأخطاء الأولية على تخطئة القرآن الكريم. بَيدَ أننا، عند مراجعة الأمر جيداً في ضوء منطق الأشياء وطبيعتها، نرى ألا موضع للذهول ولا حتى للاستغراب، إذ ما أسهل أن يخبط الجاهلُ الذي لا يبصر ولا يقدر على التمييز بين الصواب والخطأ خبط عشواءَ، وفي حسبانه أنه يُحْسِن صنعاًَ! ولولا أن هناك جهلة مثله يمكن أن ينخدعوا بمثل هذه التشويشات ما بَالَيْنا بها ولا بتوجيه النظر إلى ما فيها من سخف وضلال. وعلى هذا فببركة الله نبدأ فنتناول تخطئاته الغشوم مبينين ما فيها من تفاهة وجهل:

(1/18)


1- يقول (ص 107) إن "الصابئون" في قوله تعالى في الآية 69 من سورة "المائدة" {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} كان يجب أن تُنْصَب لأنها معطوفة على {الَّذِينَ آمَنُوا} الواقعة اسماً لـ "إنّ". وقد كان كلامه يكون صحيحاً لو أنها معطوفة فعلاً على {الَّذِينَ آمَنُوا} ولم يكن إعراب آخر يهدف إلى نكتة بلاغية لا تتوفر في الإعراب الذي وَهِمَه. وهذا الإعراب الآخر قد أومأت إليه إيماءً بالطريقة التي استعملتُ بها علامات الترقيم في الآية، حيث وضعتُ عبارة "والذين هادوا.... وعمل صالحاً" بين فاصلتين بما يدل على أنها عبارة اعتراضية، ويكون تقدير الكلام هكذا: "ن الذين آمنوا لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وكذلك الذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً". أي أن {الَّذِينَ هَادُوا} مبتدأ خبره كلمة "كذلك"، فهو إذن مرفوع وكذلك المعطوفان عليه: {الصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} . وقد حُذفت كلمة "كذلك"، وانتقلت جملة المبتدأ والخبر لتحتل المكان الذي يفصل بين اسم "إنّ" وخبرها. أما النكتة البلاغية في الآية فهي الإشارة إلى

(1/19)


أن اليهود والصابئين والنصارى هم أيضاً ممن يستطيعون النجاة يوم القيامة إذا دخلوا فيما دخل فيه المسلمون من الإيمان بالله واليوم الآخر وعملوا الصالحات، بمعنى أن الجنة في الإسلام ليست مقصورة على العرب وحدهم بل هي مفتحة الأبواب حتى لليهود والصابئين والنصارى وأمثالهم. أي أن الإسلام ليس كاليهودية مثلاً المقصورة على بني إسرائيل فلا يمكن أن يشاركهم غيرهم في الهداية والنجاة لأن ربّ الكون إلهَّ خاصّ بهم، والنجاة نجاتهم وحدهم ... وهكذا، فهذا ما أراده القرآن بصياغة الآية على ذلك النحو الموجز البليغ الذي لا يستطيع الجهلاء أن يدركوا مراميه لأن القرآن لم ينزل على أمة من الجهلاء المتحذلقين من أمثال هذا الأحمق بل نزل بالأسلوب الذي يفهمه العرب، ومن ثم لم يجدوا في هذا الإعراب ما يمكن أن يؤخذ عليه، وإلا لملأوا الدنيا صراخاً واعتراضاً، وهم الذين اتهموا الرسول، كما ذكرنا، بكل نقيصة مما هو بعيد عنه بعد السماء عن الأرض، إلا أنهم لم يحوَّموا حول اتهام لغته بالخطأ، وهناك من يوجّهون "الصابئون" على أنها منصوبة رغم ذلك، ولكن على لغة قبيلة بلحارث بن كعب، الذين يعربون جمع

(1/20)


المذكر السالم بالواو في كل الأحوال رفعاً ونصباً وجراً مثلما يعربون المثنى بالألف دائماً في هذه الحالات الثلاث جميعاً، كما أن هناك توجيهات أخرى لا نقف عندها.
ومن الشواهد على الإعراب الذي اخترناه بيت ضابئٍ البُرْجُمي المشهور الذي يتحدث فيه عن غربته بالمدنية هو وقيًارٍ فَرَسِه:
فمن يَكُ أًمْسَى بالمدينة رَحْلُهُ ... فإني، وقياَّر، بها لَغَريبُ
وكذلك بيت بشر بن أبي حازم:
وإلا فاعملوا أنّا، وأنتم، ... بُغَاَّة ما بِقينا في شِقاق
حيث أتى بضمير الرفع "أنتم" بعد الواو، التي لو كانت واو عطف كما وهم الأحمق الجهول لقال: "فاعملوا أنّا وإياكم ... "، بل "أنتم" مبتدأ، وخبره محذوف، وجملة المبتدأ والخبر جملة اعتراضية. ومما يجري من الشعر أيضاً على هذه الصورة البيت التالي، وهو نم إنشاد ثعلب:
خليلَّي، هل طِبَّ؟ فإني، وأنتما، ... وإن لم تبوحا بالهوى، دِنَفان
وقول رؤية:
ياليتني، وأنت، يا لميسُ ... في بلدة ليس بها أنيسُ

(1/21)


وكذلك هذا البيت:
فمن يَكُ لم يُنْجِب أبوه وأمه ... فإن لنا الأمَّ النجيبةَ والأبُ
وهذا البيت أيضاً:
وما قصَّرتْ بي التسامي خؤولَّة ... ولكنّ عمىَّ الطيبُ الأصل والحالُ
* * *
2- ويقول الكاتب النزق (ص 107) إن في نصب "الظالمين" في قوله تعالى في الآية الرابعة والعشرين بعد المائة من سورة "البقرة": "قال (أي الله لإبراهيم) : لا ينال عهدي الظالمين" خطأ لأنها فاعل، فكان يجب أن يقال: "لا ينال عهدي الظالمون". وقد قال علماؤنا القدامى في تفسيرهم لهذه الآية إن هناك قراءتين: إحداهما هي هذه التي بين أيدينا، والأخرى بالرفع، ووجّهوا ذلك قائلين إن المعنيين متقاربان لأن كل ما نِلْتَه فقد نالك. وقد لاحظتُ أن بعض الآيات التي وَرَد فيها هذا الفعل قد وردت على نحو آيتنا هذه، وبعضها الآخر بالعكس. ومن الأخيرة قوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} ، وقوله: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا

(1/22)


تُحِبُّونَ} ، ومن الأولى قوله: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} . وقد يصح أن نذكر هنا أيضاً قوله تعالى على لسان زكريا في حديثه عن تقدمه في السن في الآية 40 من "آل عمران" والآية 8 من "مريم" على الترتيب: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} ، {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} حيث أتى الضمير العائد على زكريا عليه السلام في الأولى مفعولاً به و"الكبر" فاعلاً، وفي الثانية فاعلاً، و"الكِبَر" متعلقاً بالمفعول به. وفي كل من التركيبين نكتة خاصة، إذ توحي الأولى بأنه قد قطع الشوط الأكبر من مسيرة الحياة، على حين تومئ الثانية بأن الكبر يطارده ويسعى إلى اللحاق به، بينما يحاول هو فَوْتَه، لكن الكبر يدركه في نهاية المطاف.
وعودةً إلى آيتنا نقول إن "العهد" المذكور في الآية قد تمً بين الله سبحانه وإبراهيم عليه السلام وانتهى الأمر، فلم يعد ثمة مجال للقول بأن ذرية إبراهيم يمكن أن تدركه أو لا تدركه، لكن من الممكن القول مع ذلك بأنه يصدق على بعضهم ولا يصدق على بعضهم الآخر حسب استحقاقهم ذلك أو عدمه. أي أن معنى الآية:

(1/23)


"لا يَصْدُق عهدي على الظالمين من ذريتك". وهذا هو الوجه الذي أختاره، وإن كنت لا أقلّل من شأن ما قاله علماؤنا رحمهم الله.
وبهذا التركيب وردت الآيات التالية: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} ، {أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ} ، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . وبه أيضاً وردت الجملتان التاليتان في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى: "لذلك نالتنا هذه الشدة"، "لم يَنَلْكم من قِبَلنا خسرانٌ في شيء".
وقد رجعتُ، رغم ذلك كله، إلى عدد من المعاجم التي ألفها نصارى لأرى ماذا تقول عن هذا الفعل، فوجدتُ "البستان" و"الوافي" لعبد الله البستاني، و"المنجد" المشهور، و"الرائد" لجبران مسعود تقول جميعاً في مادة "ن ى ل": "نالني من فلان معروف"، أي وصل إلىَّ منه معروف. وفي "مَدَّ القاموس" لإدوارد وليم لين (
Edward William Lane) في المادة ذاتها أن من معاني

(1/24)


الفعل "نال": "It reached him, came to him"، بمعنى "وصل إليه"، أي أن هذا الفعل يقع كذلك من الشيء على الشخص كما تفيد العبارة الإنجليزية بكل جلاء. وأحسب بعد ذلك كله أنه ينبغي على الجهلة أن يخرسوا ولا يفتحوا فمهم بكلمة!
* * *
كذلك يخطَّئ الدعيُّ قوله تعالى في الآية 56 من سورة "الأعراف": {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، حيث ورد خبر "إنّ" مذكّرا على حين أن اسمها مؤنث، "وكان يجب (حسبما يقول) أن يتبع خبرُ "إنّ" اسمها في التأنيث فيقول: "قريبة" (ص 107) . وهو كلام يبعث على القهقهة، إذ يشبه تصدّي طفل في الروضة لسيبويه يبغي تخطئته. إن مثل هذا الأحمق لا يعرف أن الأسلوب العربي الأصيل كثيراً ما يُبْقِى على صيغة التذكير في الصفات التي على وزن "فِعيل" إذا كانت بمعنى "مفعول" مثل "لحيةٌ دهين" و"كفَّ خضيب" و"امرأّة جريح" و"ناقةَّ طَعين"، أو إذا كانت بمعنى "ذات كذا" على تأويل "إن رحمة الله ذات قُرْب من المحسنين"، أو للتميز بين قرابة النَّسَب وبُعْده" وبين قرابة المسافات وبُعْدها. وثمة اعتبارات أخرى تُطْلَب في مظانها من

(1/25)


الكتب الموسَّعة نضرب عنها صفحاً لأننا لا نبغي التكثَّر، بل كل همنا أن نوضح لخالي الذهن ممن قد يقع فريسة لهذه التشويشات الطفولية أن الأمر أعمق مما يَبْغَم به هذا الصغير. ومن ذلك أيضاً الآية 17 من "الشورى": {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} ، الآية 83 كم "هود": {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} ، والآية 31 من "ق": {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} ، والآية 78 من "يس": {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} ، والآية 29 من "الذاريات": {عَجُوزٌ عَقِيمٌ} ، والآية 41 من نفس السورة: {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} ، والآية 8 من "الإسراء": {وَجَعَلْنَا

(1/26)


جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} . أترى القرآن قد أخطأ في ذلك كله وسكت عنه المشركون فلم يستغلوا هذه الأخطاء التي كان من شأنها أن تضربه في الصميم، إلى أن جاء هذا الصغير الهجّام فاكتشفها؟
ومن شواهد ذلك الاستعمال في الشعر العربي القديم قول امرئ القيس:
له الويل إن أًمْسَى ولا أم هاشم ... قريبَّ ولا البسباسة ابنة يَشْكُرا
وقول عبيد بن الأبرص:
فَنفَّضت ريشها وانتفضت ... وهي من نهضةٍ قريبُ
وهذا البيت الذي ورد بالصيغتين التاليتين:
عشيًةَ لا عفراءُ منك قريبةً ... فتدنو ولا عفراء منك بعيدُ
* * *
لياليَ لا عفراء منك بعيدةً ... فَتًسْلَى ولا عفراء منك قريبُ
وقول تأبط شراً يصف الغول: "فخرَّتْ صريعاً لليدين وللجِرانِ" وقول عبيد بن الأبرص أيضاً: "قليلاً بها الأصوات إلا عوازفا". ومما جاء في شعر الأعشى من استعمال صيغة "فعيل" للمؤنث: "الخَمْر العتيق" و "آلتْ (أي الناقة) طليحا" و" (ناقةً) مِقْلاتً دهين". وفي شعر المثقب العبدي نقرأ في وصف الناقة: "ماهرةً

(1/27)


دهين" (والدهين: القليلة اللبن) ... إلخ.
وفي "مدَّ القاموس" لوليم إدوارد لين و"محيط المحيط" لبطرس البستاني و"البستان" لعبد الله البستاني و"لاروس" (العربي) ، وكلها (كما ترى) معاجم ألفها نصارى، أن الصفة "قريب" إذا كانت للقرب المكاني أو الزماني تُسْتَعْمَل بصيغة واحدة للمذكر والمؤنث والمثنى والمفرد والجمع. ومن ذلك قول السَّمَوْأل اليهودي:
تعيَرنا أنّا قليلً عديدنا ... فقلتُ لها: إن الكرام قليلُ
بل إن من اللغويين نم يخطئ إلحاق تاء التأنيث في قولنا مثلاً: "فلانة جريح".
* * *
4- ومن جرأة هذا العَيِىّ تخطئته قوله عز شأنه عن بني إسرائيل في الآية 160 من سورة "الأعراف": {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} ، إذ "كان يجب (في وهمه) أن يذكّر العدد ويأتي بمفرد المعدود فيقول: اثني عشر سبطا" (ص 107) ، مع أنه لا وجه

(1/28)


لوجوب هذا التركيب، بل التركيبان كلاهما جائزان، لكن الجاهل يحسب أنه لا يصح إلا ما يعرفه فقط رغم أن ما يعرفه لا يعدو أن يكون فُتاتةً من الفتات. وتوجيه الكلام في الآية هو على النحو التالي: "وقطعناهم اثنتي عشرة (قطعة، وجعلنا هذه القطع) أسبتطاً أمما". فـ "أسباطاً أمما" بدل من "اثنتي عشرة" وليست تمييزاً لها. ويتضح ما نقول إذا عكسنا التركيب فقلنا: "وقطعناهم أسباطاً أمما اثنتي عشرة". ومثلها في القرآن الكريم أيضاً في الآية 25 من "الكهف": {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} بدلاً من "ثلَثمائةِ سنةٍ" في التركيب المعتاد، وكلاهما صحيح. والمعنى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ} .
وقريب من ذلك قول كاتب سفر "العدد" من كتابهم المقدس في الفقرة 13 من الفصل التاسع والعشرين: "أربعة عشر حَمَلاً حَوْلياً صحاح" بجمع "صحاح" على أساس أنها تابعة لـ "أربعة عشر" لا لـ "حَمَلاً حَوْلياً"، وإلا لقال: "أربعة عشر حَمَلاً حوليا صحيحاًَ" مثلما فعل في سائر المواضع الأخرى من نفس الفصل. ومذله ما جاء في الفقرة 17 من الفصل الثالث عشر من سفر "أخبار الأيام الثاني" من أنه قد "سقط قتلى من بني إسرائيل خمسمائة ألف رجل منتخَبون" بدلاً من "خمسمائة ألف رجل منتخب" بالإفراد

(1/29)


والجرّ لا بصيغة جمع المذكر السالم المرفوع. ومذل الآية القرآنية بالضبط ما جاء قبل ذلك في الفقرة الثالثة من نفس الفصل من أن يربعام قد صافَّ أَبِيَّا "بثمانمائةِ ألفٍ منتخَبين من جبابرة البأس" وما جاء في الفقرة 17 من الفصل الحادي عشر من السفر نفسه من إنه كان مع ألياداع "مائتا ألفٍ مسلّحون بالقسىّ والتروس"، ومع يوزاباد "مائة وثمانون ألفا متجردون للحرب" ... إلخ.
* * *
5- ومن سخافاته الطفولية أيضاً توهمه أن من الواجب تغيير قوله تعالى في الآية 19 من سورة "الحج": {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} ليصبح "هذان خصمان اختصما في ربهم" (ص 107) . وهو في هذا يشبه صبياً صغيراً يمسك بمسطرة صغيرة في يده يريد أن يقيس بها جبل الهيملايا. ألا فليعلم وليتعلم هو ومن صدًروه لتخطئة القرآن وطبعوا له كتابه وأطلقوه لينبح الإسلام أن كلماتٍ مثل "خَصْم" و"طائفة" و"حِزْب" و"فريق"، وإن اتخذت صيغة الإفراد، تدل على جماعة من الناس. وقد وردت الضمائر العائدة على هذه الكلمات في القرآن بصيغة جمع المذكر بناءً على هذا الاعتبار. قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا

(1/30)


الْمِحْرَابَ} (ص/ 21) ، {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} (آل عمران/ 69) ، {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} (آل عمران/ 154) ، {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} (النساء/ 102) ، {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} (التوبة/ 122) ، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (المائدة/ 56) ، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (الروم/ 32) ، {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة/ 22) ، {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (فاطر/ 6) ، {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (البقرة/ 75) ، {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (البقرة/ 101) ، {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} (الأحزاب/ 13) ، {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} (آل عمران/ 100) .
هذه واحدة، والثانية أنه إذا ثُنَّىَ "الخصم" أو"الطائفة" أو

(1/31)


"الفريق: في القرآن. فإنه يستعمل لها ضمير جمع الذكور إذا كانت العلاقة بين الخصمين أو الطائفتين أو الفريقين علاقة خلاف مثل: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} (الحج/ 19) ، "إذا دخلوا على داود ففزع منهم قالوا: لا تخف، خصمان بَغَى بعضنا على بعض" (ص/ 22) ، {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (الحجرات/ 9) ، {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} (النمل/ 45) . ويبدو لي أن الحكمة من وراء ذلك هي الإيماء ما تستتبعه الخصومة من اشتباك وتداخل بحيث يموج بعضهم في بعض ولا يعودان منفصلَيْن أو متمايزين. وهذا كله مما لا يقدر أمثال هذا الجاهل أن يدركوه من تلقاء أنفسهم. ولعله بعد يد المساعدة التي مُدَّت له يكون قد استوعب الدرس، وإن كنت أشك كثراً في ذلك لما يبدو من بلادة ذهنه سواد قلبه تجاه وسيًده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
* * *
6- أما الغلطة السادسة التي لا وجود لها إلا في ذهن ذلك المأفون المسكون بالأوهام والضلالات فهي زعمه أنه كان يجب أن يقال: "وخُضْتُم كالذين خاضوا" بدل قوله تعالى في الآية 69 من

(1/32)


سورة "التوبة": {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} (ص 107) ، أي أن المشبه به، في نطره الكليل، هو جماعة أخرى من الخائضين. وقبل أن أفنَّد هذا التنطع الغشوم أحكي القصة التالية: فقد حضرت، وأنا في أكسفورد في أواخر السبعينات، محاضرة لشاب متحذلق من المستشرقين كان هجاماً طويل اللسان مع طلابه، فسمعته يقول أثناء المحاضرة إن في القرآن شذوذات لغوية، فانتظرتُ حتى انتهى الدرس وخرج فخرجت معه أساله أن يضرب لي أمثلة على هذا الذي يدّعيه، فأشار إلى هذه الآية قائلاً: تجد الإشارة إليها في تفسير الطبري، ولم أكذّب خبراً ونزلت في الحال إلى مكتبة المعهد وقلّبت تفسير الطبري فلم أجده ذكّر شيئاً من ذلك، فقلت: أنظر في تفسير النيسابوري الذي على هامشه، فوجدته، بعد أن شرح الآية على أساس أن معناها: "وخضتم (أيها المنافقون) كالخوض الذي خاضه أمثالكم في الأزمنة السابقة"، قد أضاف هذه العبارة: "وقيل: أصله "كالذين" فحذف النون". فاستغربتُ من تدليس المستشرق الصغير الذي أكد لي بقوة أن الطبري هو قائل ذلك، بل لقد أَوْهَم كلامه أن هذا هو التفسير الوحيد الذي قال به ذلك العلاّمة الجليل. وكل ذلك غير صحيح كما قلت، بل قائله هو النيسابوري، الذي أرجأه إلى ما بعد الفراغ من التفسير الذي ذكرتُه، وأورده بصيغة التمريض:

(1/33)


"قِيلَ"، التي تدل على أنه غير مقتنع به. والشاهد في هذه القصة أن صويحبنا إنما يردد ما يلقنونه إياه دون فهم كالببغاء!
ولْنورد الآية من بدايتها حتى تنجلي الحقيقة لمن لهم أعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها، وقلوب يفقهون بها، أما الذين ختم الله على قلوبهم، وجعل في آذانهم وقراً، وعلى عيونهم غشاوة، فهؤلاء ميؤوس من حالهم. تقول الآية، وقد وردت في سياق تعنيف المنافقين وفضح مؤامراتهم وألاعيبهم الصبيانية وخوضهم العابث في سمعة النبي عليه السلام وفي آيات القرآن: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} . وواضح تماماً أن الآية تقول إن المنافقين قد استمتعوا بنصيبهم كاستمتاع مَنْ قبلهم بنصيبهم، فما الذي يقتضي المنطق أن نفسّر به الجملة التالية بعد ذلك في الآية؟ أليس من الطبيعي أن نقول: "وخضتم كالخوض الذي خاضوه" حتى ينسجم الكلام بعضه مع بعض ويكون المشبَّه به في الجملتين هو استطاع مَنْ قبلهم وخَوْضهم؟ لو قلنا: "استمتعتم كاستمتاعهم، وخضتم كالذين خاضوا، لذهب الانسجام من الآية

(1/34)


على الفور وأصبحت قلقه. ثم ما معنى "وخضتم كالذين خاضوا"؟ وإذا كان المقصود هم الذين قبلهم، فلماذا لم تستعمل الآية الكريمة الضمير بدلاً من الاسم الموصول فتقول: "وخضتم مثلهم" بغض النظر عن غموض المعنى؟ ولنفترض أننا ضربنا صفحاً عن ذلك كله وقلنا إن المقصود فعلاً هو "وخضتم كالذين خاضوا"، فهل يكون ذلك خطأ لغوياً؟ كلاً. ذلك أن المفسّر الذي شرحها هذا الشرح قد أقام كلامه على أساس أن من العرب القدماء من كان يستعمل "الذي بمعنى "الذين". ليست المسألة إذن مسألة خطأ بل مسألة فصاحة وعدمها، وهذا هو الذي دفعني إلى سوق الأسباب المنطقية والبلاغية التي تجعلني أرفض ذلك التفسير، وهذا كل ما هنالك.
* * *

(1/35)


7- ونبلغ الاعتراض السابع، وفيه يقول عبدنا الفاضي (الذي يمتلئ كتابه الحقير بالأخطاء النحوية الأولية ثم يأنس في نفسه الوقاحِ الجرأةَ على التهجم على لغة القرآن الكريم رعونةً منه وطيشاً) إن في قوله تعالى في الآية 10 من سورة "المنافقون": {وانفقوا وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} خطأ نحوياً، إذ كان المفروض (حسبما يقول) أن يُنْصَب فعل الكينونة عطفاً على "أصَّدَق" (ص 108) . وأنا على يقين أنه لا يعرف لم نُصِب هذا الفعل الأخير. إنما هو كلام وُضِع على لسانه فردَده كالببغاء دون أن يعي معنّى أو يدرك مغزى. أجل، أنا موقن تمام الإيقان أنه لا يفهم أن سبب نصب هذا الفعل هو مجيئه بعد "فاء السببية"، لكن فلْنَطْوِ هذه ولنسارع إلى القول بأنه مدام القرآن قد استعمل لفظاً أو تركيباً أو إعراباً ما فهو صواب لا يأتيه الغلط من بين يديه ولا من خلفه حتى لو قلنا إن الرسول عليه السلام هو مؤلفه، فهو عربي تؤخذ عنه اللغة ولا يراجّع في شيء منها، فضلاً عن أن أحداً من المشركين أو المنافقين أو نصارى العرب ويهودهم لم يعترض على شيء من لغة القرآن رغم حرصهم على التشكيك فيه بكل وسيلة.
وعلى أية حال فإن في جَزْم فعل الكينونة في الآية الكريمة مغزى

(1/36)


دقيقاً، وهو أن قائل هذا الكلام، رغم تمنّيه تأجيل موته قليلاً، يعلم أن الاستجابة لأمنيته أمر مستبعد، كيف ذلك؟ المعروف أن "إنْ" الشرطية تدل على استبعاد وقوع الشرط أو استحالته، ومعنى الكلام على أساس جزم "أكُنْ" هو: "لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّق، وإن حدث هذا أكن من الصالحين". أي أنه يعرف أن تأخير موته إلى أجل قريب هو من الاستحالة بمكان. ألم يقل القرآن: {إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} ؟ ألم يكن جواب الله على من سأله الخروج من النار والرجوع إلى الدنيا لعله يعمل صالحاً ينجيه مما هو فيه من عذاب النار: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ؟ ألم يعقّب القرآن على من نطقوا بكلمة الإيمان في سَقَر قائلاً: "أنَّى لهم التناوش (أي كيف يمكنهم أن يفوزوا بالإيمان) من مكان بعيد (أي بعد أن انقضت الدنيا ولم يعد من سبيل إلى تدارك ما فات) ؟ "؟ وعلى عادة القرآن الكريم نراه قد أدّى هذا المعنى بغاية الإيجاز، إذ لم يفعل أكثر من تسكين نون "أكون" بدلاً من فتحها. وهذه هي

(1/37)


الفحولة القرآنية المعروفة، أما الصغار التافهون فأنَّي لهم أن يفهموا ذاك؟
هذا، وللقدماء توجيه آخر يختلف بعض الشيء عن توجيهي، إذ يقولون إن "أكُنْ" قد جُزِمَتْ عطفاً على موضع "فأصَّدَّقَ" على أساس أن تقدير الكلام هو: "إن تؤخرني أصَّدَّقْ". وهو توجيه مشكور ومقدور، لكن ما قلتُه يذهب إلى الهدف مباشرة دون التعريج هنا أو ههنا، علاوة على أني شفعته بالمغزى الذي أحسب أن الآية قد أرادت الإيماء إليه ولم أسَّقْه مجرداً كما فعل أجدادنا، - رضي الله عنهم - وأثابهم على جهودهم وسبْقهم. وتتمةً لهذا المبحث نقول لمن يريد أن يتعلم ويفهم إن طريق الإعراب، وبخاصة قبل جمع اللغة وتدوينها، أوسع كثيراً مما يُظَنّ: فمثلاً في قولنا: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" نجد أن الفعل "تشرب" يجوز فيه الرفع والنصب والجزم، وفي قولنا: "لا حول ور قوة إلا بالله" يجوز في إعراب اسم "لا" والمعطوف عليه عدد من الصُّور تزيد على عدد أصابع اليد، وفي قولنا: "ما كلُّ ما يلمع ذهباً" يجوز رفع الخبر ونصبه ... وهكذا، إلا أن المحدودي الأفق يتفلحسون فيوقعون أنفسهم

(1/38)


في المعاطب! وبالمناسبة فثَمً قراءة أخرى بنصب "أكون"، وكلتا القراءتين عربية بليغة، وكل ما في الأمر أن لكل منهما مغزى غير الذي للأخرى.
* * *
8- أما الاعتراض الثامن فهو قول الآخرِ إن الضمير في كلمة "بِنُورهم" من قوله تعالى عن المنافقين في الآية 17 من سورة "البقرة": {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} كان يجب أن يكون مفرداً فيقال: " ... كمثل الذي استوقد ناراً، فملا أضاءت ما حوله ذهب الله بنوره" (ص 108) ؟ والحق الذي كرّرناه مراراً هو أن القرآن متى قال شيئاً فهو صواب مليوناً في المائة، إذ كلامه هو القاعدة التي يقاس عليها ولا يصح أن يحاكمه أحد إلى غيره، وإلا قلبنا الأمور بذلك رأساً على عقب. إن معنى الآية هو: "مَثَلُهم (أي مثل المنافقين مع رسول الله) كَمَثَل الذي استوقد ناراً (لرفاقه) ، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم (أي بنور أولئك الرفاق) ". والسبب في أخذي بهذا التفسير هو أن المنافقين لم يحدث أن استوقدوا ناراً ليَرَوْا على ضوئها الحق والهدى، إذ ليست هذه شيمة المنافقين، بل الذي استوقدها

(1/39)


هو الرسول عليه السلام، فقد أتى بنور القرآن هدايةً للبشر، لكن المنافقين غطَّوْا أعينهم وأغلقوا قلوبهم في وجه دعوته وهدايته، وهو ما عبًر عنه القرآن بأن الله قد ذهب عندئذ بنورهم، أي بمقدرتهم على الرؤية والاستجابة لداعي الخير.
وتركيب هذه الآية بما فيه من ألفاظ محذوفة يشبه قوله - عز وجل - في الآية 171 من نفس السورة: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} ، أي "مثل الذين كفروا (مع رسول الله) كمثل (الراعي) الذي ينعق بما لا يسمع (من البهائم) إلا دعاء ونداء"، إذ إن ما يقول الراعي حينما ينعق بها لا يعدو، بالنسبة إليها، أن يكون مجرد أصوات يدعوها بها لا أكثر، أما معناه على وجه التعيين فشيء يفوت إدراكها تمام الفوت. ومثله كذلك قوله تعالى في الآية 261 من ذات السورة: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} . ذلك أن المنفقين لا يشبهون الحبَّة، بل الذي يشبهها هو ما ينفقونه من مال. وتقدير الكلام هو: "مثل الذين

(1/40)


ينفقون أموالهم في سبيل الله (مع ما ينفقونه) كمثل (الزارع مع ما يبذره من) حبة أنبتت سبع سنابل ... ". وهذا من أساليب القرآن الموجزة المحكمة التي تعتمد على يقظة السامع أو القارئ واكتفائه بالقليل عن تطويل الكلام حيث لا تكون هناك نكتة بلاغية في تطويله.
* * *
9- ومن الإيجاز القرآني البليغ نَصْبُ {الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} في قوله جل جلاله في الآية 162 من سورة "النساء": {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} ، بهدف تخصيصهم بالذكر على سبيل المدح لبيان أهمية الصلاة في الدين، إذ هي الرباط الذي يصل المؤمن بربه ويجعله دائماً على ذكر منه. وليس المقصود مجرد "المصلّين" بل {الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} ، أي الذين يؤدونها على وجهها، وتظهر في قلوبهم وأعمالهم ثمرتها، فهؤلاء هم الجديرون بالمدح لا الذين يأتون

(1/41)


الصلاة وهم كسالى مراءاةً للناي أو لمجرد التخلص من عبثها. والمعنى على ذلك هو: "الراسخون في العلم منهم والمؤمنون ... ، وخاصةً المقيمين الصلاة، والمؤتون الزكاة ... " أو ما أشبه. وهذا من وظائف الإعراب في الأسلوب العربي الأصيل، إذ بإبدال حركة بحركة أو حرف بحرف يستغنى المتكلم عن لفظةٍ أو جملة بأكملها. ومن ذلك قول خرنق بنت هفّاف:
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين همو ... سُمً العُداة وآفة الجُزْرِ
النازلين بكل معتركِ ... والطيبون معاقدَ الأُزْرِ
وهذان البيتان أيضاً:
إلى الملك القَرْم وابن الهما ... م وليث الكتيبة في المزدَحَمْ
وذا الرأي حين تغم الأمو ... ر بذات الصليل وذات اللحم
وكذلك قول ابن الخياط:
وكلً قوم أطاعوا أمر سيدهم ... إلى نُمَيْراً أطاعت أمر عاديها
الظاعنين ولما يُظْعِنوا أحداً ... والقائلون: لمن داَّر نخلَّيها؟
بيد أن جاهلنا الذي لا يفقه شيئاً في العربية يتطاول على الآية الكريمة قائلاً: "كان يجب أن يُرْفَع المعطوف على المرفوع فيقول:

(1/42)


"والمقيمون الصلاة" (ص 108) . ترى ماذا هو قائل إذا ذكرنا له أن كلمة "الكريم" في قولنا مثلاً: "ذهبتُ مع محمدٍ الكريم" يجوز فيها، إلى جانب الخفض، الرفعُ على تقدير "ذهبت مع محمدٍ، الذي هو الكريم"، وكذلك النصب على تقدير "ذهبت مع محمدٍ، أعني الكريمَ لا غيره"، أو إذا قلنا له إن كلمة "خَرِب" في العبارة المشهورة: "هذا جُحْر ضَبَّ خَرِب" يحوز رفعها نعتاً لـ "حُجْر"، وهو الأصل، كما يجوز خفضها لمجاورتها كلمة "ضَبّ" المجرورة، أو إذا قلنا له إنه يجوز في الجملة التالية: "ولم يكن لهم من رأس مال غير جِدّهم واعتمادهم على أنفسهم" رفع كلمة "غير" ونصبها وجرّها؟ صحيح أننا الآن نميل إلى إجراء إعراب واحد في كثير من هذه الحالات، لكن الأسلوب القديم الأصيل يتمتع بمرونة تفتقدها أساليبنا الحديثة التي تُراعَى فيها القواعد العامة عادة. أياً ما يكن الأمر فلا ينبغي للجهلة أن يستطيلوا بجهلهم على القرآن الكريم.
* * *
10- أما ما أقدم عليه هذا الطائش من تخطئة قوله تعالى في الآية العاشرة من سورة "هود": {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} فهو فضيحة الدهر، إذ معناه إنه

(1/43)


لا يُلِمّ حتى بالقواعد الأولية التي يعرفها تلميذ المرحلة الابتدائية.
قال، فضّ الله فاه: "كان يجب أن يجرّ المضاف إليه فيقول: بعد ضرّاءِ مسَّتْه" (ص 108) . والحمد لله أنْ عرف هذا المنكوس أن "ضَرّاء" مضاف إليه، أما ظنّه بأن جرّها يستلزم وضع كسرة (واحدة) تحت آخر حروفها فممّا يُضْحِك الَمكْروب، إذ معناه أولاً إنه لم يسمع بأن الممنوع من الصرف لا يُجَرّ بالكسر بل الفتح (بفتحة واحدة) . هذه واحدة، والثانية أن الكلمات التي تُجَرّ بالكسر لابد أن توضع تحت آخر حروفها كسرتان لا كسرة واحدة، لأن الكسرة الواحدة هي علامة بناء لا إعراب.
* * *
11- وفي قوله تعالى في الآية 80 من سورة "البقرة" حكايةً لمزاعم اليهود وأمانيهم الباطلة من أنهم، لكونهم أبناء الله وأحباءه، لن تمسهم النار بسبب ذنوبهم {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} يقول العبد الفاضي: "كان يجب أن يجمعها (أي يجمع كلمة "معدودة") جمع قلى حيث إنهم أرادوا القلة فيقول: أياماً معدودات" (ص 108) . والسؤال هو: وهل عرف هذا الجهول على وجه اليقين عدد الأيام التي سيمكثها اليهود حسب اعتقادهم في النار قبل أن

(1/44)


يتكلم عن أي التعبيرين أصلح لها من الآخر؟ ثم هناك سؤال ثانٍ: ترى من قال له إن أحد التعبيرين يدل على القلّة، والآخر على الكثرة؟ إن الدلالة على القلة ناشئة من أن الأيام التي سيقضونها في النار أيام يمكن عدّها بسهولة، فصيغة المفعول من "عَدَّ" هي في ذاتها الدالّة على القلة بغض النظر عن إفرادها أو جمعها. ولقد وردتْ هذه العبارة ذاتها، وعلى لسان اليهود أيضاً، في موضع آخر من القرآن، مع استبدال كلمة "معدودات" بـ "معدودة" بما يدل على صحة ما قلت. كما أن معظم المفسرين الذين رجعتُ إليهم قد ذكروا أن كلتا الصيغتين فصيحة دون أن يشيروا إلى وجود أي فرق بينهما. مفسر واحد منهم فقط ذكر أن وصف الجمع غير العاقل بصيغة المفرد المؤنث يدل على الكثرة، بعكس صيغة جمع الألف والتاء، في مقابل مفسّر آخر ذكر العكس.
والملاحظ أن دلالة الجمع على القلة أو الكثرة ليست من الأمور الحاسمة أو المطردة بل من المسائل التغليبية. وبوجه عام فإن صيغة جمع التكسير باستثناء "أَفْعُل وأفعال وأفْعِلة وفِعْلَة" تدل على الكثرة، على العكس من هذه الصَّيَغ الأربع وصيغة جمع المؤنث السالم، وإن

(1/45)


لم يمنع هذا أن يحدث العكس، والأمثلة على هذا وذاك معروفة. أما كون أيام اليهود في النار "معدودة" أو "معدودات" فدلالة القلة فيها ناشئة من أن تلك الأيام يسهل عدّها لا من صيغة الإفراد أو الجمع. ولا معنى إذن لهذا الذي صدّع به الجهول أدمغتنا.
ومن الممكن جداً أن يكون القرآن الكريم قد أورد في الموضعين المشار إليهما كلام اليهود بنصه، إذ لعلّهم كانوا تارة يستعملون صيغة المفرد المؤنث، وتارة صيغة جمع المؤنث السالم، فحكي القرآن أقوالهم في كل مرة كما هي. كذلك من الممكن أن تكون "أياماً معدودات" هنا معناها "أياماً معيّنات" كما في قوله عز شأنه عن الصيام إنه كُتِبَ على المسلمين "أياماً معدودات"، أي محددات هي أيام شهر رمضان، وذلك واضح من ذكر شهر رمضان عقب ذلك. أيا ما يكن الأمر فإن المسمىَّ "عبد الفاضي" يهرف بما لا يعرف، ولقد ظلمه الذين لقّنوه هذه التفاهات فانطلق في غباءٍ يسردها سرداً. وعلى أية حال فها هي ذي عبارة "أيام معدودات" يستعملها الكتاب المقدس عند هذا الفاضي وأمثاله في غير جمع القلة بالمعنى الذي يفهمه: "الحياة الصالحة أيام معدودات". ذلك أن الحياة الصالحة، مهما

(1/46)


قصرت، لا يمكن أن تكون أياماً قليلة إلى هذا الحدّ، أما في القول التالي المنسوب لأيوب فإنه يصف سنوات حياته بأنها "معدودة"، وسنوات حياة الشخص أقل في العدد من أيامها بكل يقين، وبخاصة أن أيوب قالها وهو مريض، أي بعد أن قطع شوطاً طويلاً من عمره. قال: "فإن سنواتي المعدودة تنقضي فأركب طريقاً لا أعود منه".
فما رأي صُوَيَحْبِنا الأحمق في هذين الاستعمالين اللذين يجريان بعكس ما يدّعى في صيغََتْي "معدودة" و"معدودات"؟
* * *
12- وهنا نصل إلى الاعتراض الثاني عشر الذي يقول فيه الببغاء إن عبارة "أياماً معدودات" في قوله تعالى في الآيتين 183 - 184 من سورة "البقرة": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ... } كان ينبغي أن نُغَيْر إلى "أياماً معدودة" على أساس أن رمضان ثلاثون يوماً، والثلاثون ليست بالعدد القليل. وقد سبق في الرد السابق أن فنّدنا هذا السخف ونسفناه نسفاً، وقلنا إن "أياماً معدودات" هنا لا تعني القلة أو الكثرة بل تعني أنها أيام محدّدة هي

(1/47)


أيام شهر رمضان من كل عام. وهو نفس المعنى في قوله تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} ، وقوله: "ولئن أخَّرنْا عنهم العذاب إلى أُمَّة معدودة (أي إلى وقت محدّد) ليقولُنّ: ما يحبسه؟ ". و"الأجل" و"الأمة" معناها "الميقات"، والميقات لا يُعَدّ، وإنما يحدَّد.
* * *
13- ويستنكر عبد الفاضي استخدام القرآن الكريم لصيغة "إلياسين" (بدل "إلياس") في قوله عز شأنه في الآية 130 من "الصافات": {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) .... (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} ، وكذلك صيغة "سِينين" (بدل "سيناء") في قوله سبحانه في الآية الثانية من سورة "التين": {وَطُورِ سِينِينَ} قائلاً إن الصيغتين المذكورتين هما صيغتا الجمع من "إلياس" و"سيناء"، "فمن الخطأ لغوياً تغيير اسم العَلَم حباً في السجع المتكلًَّف" (ص 109) . والواقع أن الأمر أبسط من هذا كله، إذ معروف أن الأعلام حين تنتقل من لغة إلى أخرى تعروها عادةًَ تحويرات في حروفها وضبطها ونَبْرها كما في "يوحنا" مثلاً، الذي حوًره اللسان العربي فصار "يحيى".

(1/48)


وقد يغدو للعَلَم أكثر من نطق في اللغة التي انتقل إليها كما هو الحال عندنا بالنسبة لـ "أرسطو" و"أرسطوطاليس" و"رسطاليس"، و"أهْلَوارْد" و"اَلْوَارْد" و"ألْفَرْث" (وهو اسم مستشرق ألماني معروف) ، و"جبرائيل" و"جبرئيل" و"جبريل" و"غبريال". ومعروف أيضاً أن لاسم النبي محمد عليه الصلاة والسلام في اللغة الإنجليزية مثلاً كذا صيغة مثل "Mahomet" و"Mahound" و"Muhammed" و"Muhammad". وفي ضوء هذا فإن من السهل الإشارة إلى أن العرب ينطقون اسم شبة الجزيرة التي تقع في شمال شرق مصر بعدة صور: "سِينا" و"سِيناء" و"سَيْناء" و"سَيْنِين" و"سِينين". والشيء ذاته يقال في اسم النبي الكريم الذي نحن بصدده. إذ يقولون: "إلياس" و"إبليس" و"إلياسين". وقد اختار

(1/49)


القرآن الكريم في كل من الموضعين اللذين نحن بصددهما الصيغة التي تناسب السياق محافظةً منه على الإيقاع الموسيقي، أما في غير ذلك فقد استخدم الصيغة الأشيع، وهي "سَيْناء" و"إلياس"، فليس في الأمر جمع ولا تكلف سجع ولا يحزنون.
ومثل "إلياس" فذلك اسم حَمِى موسى، الذي ورد في بعض الترجمات العربية للكتاب المقدس "يِتْرو"، وفي بعضها الآخر "يثرون"، فهل نقول مثلما قال هذا الأحمق إن "يثرون" هي جمع مذكر سالم لـ "يترو"؟ إننا أعقل من ذلك. لكن الأدهى أن يتكرر في الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى ذكر الشخص الواحد بعدة أسماء مختلفة كتسمية حَمِي موسى هذا: "رعوئيل" مرة، و"يثرون" مرة أخرى، و"حوباب بن رعوئيل" مرة ثالثة. وفي سفر "أخبار الأيام الأول" أسماء أعلام تخالف لفظ الأسماء المذكورة في غيره من أسفار الكتاب المقدس. وقد حاول شُرًاح ذلك الكتاب بطريقتهم البهلوانية تفسير هذه الظاهرة المضحكة بأن اللفظ قد تغيَّر على مرَّ

(1/50)


السنين، أو أنه كان للشخص الواحد عدة أسماء، أو أن الأمر مجرد ألفاظ مترادفة. فهذه هي المصيبة حقاً، أما الوقوف عن "إلياس" و"إلياسين" فهم تنطعَّ فارغ. وفي النهاية المطاف ألفت نظره، إن كان عنده نظر، إلى التناقض الرهيب في اسم عيسى عليه السلام بين سفر "نبوءة أشَعْيا" وبين إنجيلَيْْ متَّى ولوقا، إذ جاء في "أشَعْيا" (7 /14، و9 /6 - 7) أن العذراء ستلد لله ابناً وتسميه "عمّانوئيل"، بينما في "متًّى" (1/21) أنها ستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع، وهو نفسه ما جاء على لسان جبريل عليه السلام حسب رواية "لوقا" (1/3) ، وإن انتكس الكلام عنده عقيب ذلك إذ يعود فيقول: "هذا كله لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هو ذا العذراء تحمل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمًانوئيل، الذي تفسيره: الله معنا". وبطبيعة الحال لم يُسَمً المسيح عليه السلام يوماً "عمًانوئيل".
* * *
14- كذلك يعترض المتنطع على استخدام الآية 177 من سورة "البقرة" لكلمة "البِرً" وصفاً لـ {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... } على

(1/51)


النحو التالي: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ... } ، مؤكداً أنه كان يجب أن يقال: "ولكن البِرً هو الإيمان بالله واليوم الآخر ... " لأن البِرً هو الإيمان لا المؤمن كما قال (ص 109) . وهذه أيضاً من الأمارات على جهله الشنيع بلغة الضاد، فمن الواضح أنه لا يعرف شيئاً اسمه استخدام المصدر صفةً مثل: "رَجُلٌُ عَدْلٌ، وامرأٌة صِدْقٌ" بما يوحي إنهما قد بلغا الغاية في العدل والصدق بعد أن أضحيا هما العدل والصدق ذاته. ومن شواهد هذا الاستعمال في الشعر العربي قول الشاعر القديم: "فإنما هي إقبالٌ وإدبار". ومثله في الكتاب المقدس عند المتنطع وأشباهه: "وكانت الأرض كلها لغةً واحدة وكلاماً واحداً"، وكان ينبغي، بناءً على فهم هذا المأفون، أن يقال: "وكان سكان الأرض كلهم يستعملون لغة واحدة وكلاماً واحداً". ومثله أيضاً: "كانتا (أي زوجتا عيسو بن إسحاق) مرارة نفس لإسحاق ورفقة". ومثله: "هو (أي الربّ) فَخْرُك"، والمفروض، حسب كلام الغبيّ، أن يقال: "هو سبب

(1/52)


فخرك". ومثله قول يواب لأبشاي أخيه: "إنْ قَوِىَ عليَّ الأراميون تكون أنت نجدة". ومثله: "صُنًاع التماثيل كلهم باطل"، وكان يجب، طبقاً لتنطع صُوَيَحْبِنا، أن يقال: "صُنَّاع التماثيل كلهم مبطلون". ومثله: "وتخلقون اسمكم لعنة لمختارِىَّ"، حيث استُخْدِمت "اللعنة" وصفاً رغم أنها مصدر مثل "البرّ". ومثله: "فيكونون سُبّةً ودهشةً ولعنةً وعاراً". ومثله: "سُبُلُه (أي سبل الله) عَدْل". وبعد فأرجو أن يكون ذلك الأحمق قد تعلم الدرس، وإن كنتُ أرتاب في هذا.
ونحن الآن كثيراً ما نقول مثلاً: "فلان هو الوفاء مجسَّماً" و"فلانة هي الفتنة تمشي على قدمين" أو"هي الظَّرف كلّه"، وهو قريب مما جاء في الآية الكريمة. وهناك توجيهات أخرى للآية لا داعي لسَوْقها، ففيما قلناه غُنْية. وقد تكرر هذا الاستعمال في السورة ذاتها بعد اثنتي عشرة آية، وذلك في قوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} . ومن غير المعقول

(1/53)


أن يكون صاحب القرآن من الضعف في اللغة بحيث يتكرر منه هذا الخطأ في تلك المسافة القصيرة أو أن يكون العرب من كافرين ومسلمين من الجهل بحيث لا يتنبهون لذلك الخطأ أو يكون المشركون والمنافقون واليهود والنصارى من المجاملة لمحمد بحيث يصمتون أمام هذا الغلط ولا يُحْرِجونه ويشنّعون به في الآفاق.
ولزيادة الفائدة نضيف أن الصفة في هذه الحالة تلزم عادةً صيغة الإفراد والتذكير فنقول: "رجلٌ عَدْلٌ، وامرأٌة عَدْلٌ، ورجلان عَدْلٌ، وامرأتان عدلٌ، ورجالٌ عدلٌ، ونساءٌ عَدْلٌ"، وإن سُمِع أحياناً "رجالٌ عُدُول". وقس على ذلك "رجلٌ صدْقٌ، وامرأٌة صدقٌ، ورجلان صدقٌ، وامرأتان صدقٌ، ورجالٌ صدقٌ، ونساءٌ صدقٌ" ... وهلم جرا.
وفي النهاية نسوق الشاهد التالي من الكتاب المقدس عند صويحبنا الجاهلة حيث يوصف المسيح عليه السلام بأنه "بِِرً"، بالضبط كما في الآية الكريمة التي لا تعجب المتنطع: "المسيح يسوع، الذي صار لنا من الله حكمة وبراً وقداسةً وفداء"، وكذلك هذا الشاهد الذي يقول فيه بولس: "لكي نصير نحن برّ الله فيه". وهذان الشاهدان هما الضربة القاضية لذلك المتنطع ومن سلّطوه على

(1/54)


هلاكه! وإذا كان الشيء بالشيء يُذْكَر فنحبّ أن نذكّر هنا بأسماء الأعلام التي هي في الأصل مصادر، مثل: "وفاء، ونجاح، ورضا، وإنعام، وإيمان، وجهاد، وسلامة، وعِزٌ، وإقبال، وبركة، وهمْس، وهديل ... إلخ".
* * *
15- ونصل الآن إلى الاعتراض الخامس عشر فنجد أنفسنا لا نزال مع الآية السابقة، حيث يزعم صويحبنا إنه كان يجب أن يقال: "ولكن البِرَّ من آمن بالله واليوم الآخر ... وآتى المالَ على حُبَّه ذوي القربى ... وأقام الصلاة وآتي الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرون في البأساء والضرًاء وحين البأس" بدلاً من "والصابرين"، لأن "الصابرين" عنده معطوفة على "الموفون بعهدهم"، والمعطوف على المرفوع لابد أن يكون مرفوعاً مثله (ص 109) . وقد تقدم في الرد على الشبهة التاسعة تفنيد مثل هذا السخف، إذ قلنا إن النصيب في مثل هذه الحالة يدل على مزيد من الاهتمام بصاحب الاسم المنصوب على سبيل المدح، ولا داعي لإيراد التفاصيل التي أوردناها هناك.
* * *

(1/55)


16- وفي قوله تعالى في الآية 59 من سورة "آل عمران": {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يعترض عبد الفاضي مؤكداً إنه "كان يجب أن يُعْتَبر المقام الذي يقتضي صيغة الماضي لا المضارع فيقول: قال له: كن، فكان" (ص 110) . وواضح إنه، لجهله وحرمانه من المقدرة على تذوق الأساليب الأدبية الرائعة وما تتميز به من مفاجأة القارئ أو السامع في كثير من الأحيان بما يهزّه ويوقظه ويخرجه من النزعة الآلية التي تستولي علينا من كثرة ما نرى الأمور تجري على وتيرتها المعهودة، يظن إنه لا يوجد إلا طريقة واحدة في التعبير عن كل معنى. وهذه طفولية لغوية وأدبية، وإلا فكيف فاته أن عبارة "كن، فيكون"، وإن استُعْمِلت هنا في الكلام غن خلق آدم في الماضي، فإنها تمثل مبدأ عاماً لا يتقيد بزمن، فأُبْقِيَتْ من ثَمّ على حالها التي وردت بها في المواضع الأخرى من القرآن الكريم، وكلها تقريباً مما لا يتقيد بزمن. فهذه نكتة بلاغية رهيفة لا يقدر على التقاطها بُلَداء الذهن والذوق. ثم هناك نكتة بلاغية أخرى مثلها رهافةً بحيث لا يستطيع سَمِيك العقل والوجدان أن يتنبه إليها، ألا وهي أن

(1/56)


الحديث في الآية، وإن كان عن آدم أبي البشر، فإنه يصدق كذلك على أبنءا آدم في المستقبل، فلاستخدام القرآن لهذا السببِ صيغة المضارعة التي تدل على الاستمرار والديمومة. ترى أفهم الجهول أم نعيد الكلام من جديد؟ وهناك نصيحةٌ تقول: لا تلْقُوا بالدرر أمام الخنازير! وما إلى الخنازير قَصَدْنا بكتابة ردنا هذا، ولكننا وضعناه لطَيًبي النية ممن توسوس الثعالب في آذانهم، وذلك كي يأخذوا حذرهم فلا ينخدعوا بملاسة الجلد عن نار الحقد المستعرة في قلوب هذه الثعالب الفتاكة. ومن أمثلة عطف المضارع على الماضي في الشعر الجاهلي قول تأبط شراً يصف عراكه مع الغول:
بأنّي قد لقِيتُ الغول تسعى ... بسُهْبٍ كالصحيفة صحصحانِ
فآخذُه فأضربها فخرًتْ ... صريعاً لليدين وللجِرانِ
ثم نختم هذا الدرس بسَوْق هذين الشاهدين المشابهين من

(1/57)


الكتاب المقدس عند الضالّ التعيس: جاء في سفر "نبوءة أَشَعْيَا" (6/9 - 10) عن رب العزة: "قال: انطِلقْ وقل لهذا الشعب (أي بني إسرائيل) : اسمعوا سماعاً ولا تفهموا، وانظروا نظراً ولا تعرفوا. غلًظْ قلب هذا الشعب وثَقًلْ أذنيه وأغمضْ عينيه لئلا يبصر بعينيه ويسمع بأذنيه ويفهم بقلبه فيرجع فيُشْفَى". ويرى شراح الكتاب المقدس أن في الكلام هنا مجازاً حيث تكرر استخدام صيغة الأمر في الكلام على حين أن المقصود هو المضارع الدال على المستقبل، بمعنى أن بني إسرائيل سيسمعون ولكن لن يفهموا، وسينظرون ولكن لن يَرَوْا. وقد حوّل يوحنا في إنجيله (12/ 39 - 40) الزمن في هذه الأفعال إلى الماضي وجعل الفاعل هو الله تعالى: "لأن أشيعاً قال أيضاً: أعمى (أي الله) عيونَهم وقسَّي قلوبَهم لئلا يبصروا بعيونهم ولا يفهموا بقلوبهم". ومثل ذلك ما جاء في مفتتح الفصل الثاني عشر من سفر "الأحبار": "أية امرأة حبَلَتْ فولدت ذكراً فلْتكُنْ نجسة سبعة أيام ... فإن ولدت أنثى فلتكن نجسة أسبوعين"، حيث استُخْدِمت "لام الأمر" مع المضارع بدلاً من استخدام المضارع المجرد من اللام رغم أن الكلام هنا خبر لا طلب.
* * *

(1/58)


17- وفي قوله تعالى في الآية 15 من "يوسف" عن إخوته عليه السلام وعزمهم على التخلص منه حتى يخلو لهم وجه أبيهم: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} يؤكد الأخرق أن في الجملة خطأ لأنها تخلو من جواب "لولا"، وإنه "لو حُذفت الواو التي قبل "أوحينا" لاستقام المعنى" (ص 110) . ولابد من التنبيه أولاً إلى أن القرآن يَكْثُر فيه الحذف، فهم سمة من سمات لغته أفاض فيها علماء القرآن والنحو والبلاغة، وهذا الحذف موجود أيضاً بكثرة في الشعر العربي القديم أيام كان العرب يستعملون لغتهم بتلقائية الواثق القابض على عنانها يصرَفها حسبما تَشاء مراميه البلاغية. فهذه الآية إذن ليست بِدْعاً في القرآن، وهذا إن قلنا بالحذف، وهو مجرد رأي من الآراء التي وُجًهَتْ بها الآية. والحذف هنا، عند من يقول به، غَرَضُه التشويق وإثارة تطلع القارئ للتفكير في المراد من الآية. ومازلنا حتى الآن نقول في أحادثنا مثلاً: "آه لمّا جاء أبوه ورأى ما صنع! "، فهل سمع أحدنا قطّ من يعترض على مثل هذا الأسلوب ويتهمه بالنقص؟ ومن شواهد هذا الاستعمال في الشعر العربي القديم قول امرئ القيس عن إحدى مغامراته العاطفية مع حبيبته:
فلما أجزَنْا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطن خَبْتٍ ذي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ

(1/59)


حيث انتهت جملة "لَمَّا" مع نهاية البيت دون أن يظهر لها جواب. وبهذا الحذف يريد امرؤ القيس إثارة خيال السامع لينطلق فيتصور على هواه كل ما يمكن أن يكون قد وقع بينه وبين حبيبته.
وفي الكتاب المقدس عن العبد الفاضي نقرأ مثلاً: "وندم بنو إسرائيل على بنيامين أخواتهم"، و"بنيامين" (المبدل منه) فَرْد، والبدل "أخواتهم" جَمْع، فهل نملأ الدنيا صراخاً بأن هذا خطأ كما فعل جاهلنا؟ إننا نقول إن ههنا حذفاً، وتقدير الكلام: "وندم بنو إسرائيل على بني بنيامين". ومن الحذف أيضاً في لذلك الكتاب: "إني مررت بحقل الكسلان ويكَرْم الإنسان الفاقد اللُّبّ، فإذا الشوك قد علاه، والعضاه غطَّى وجهه، وجدار حجارته قد أنهدم. فنظرت فوعيتُ في قلبي، ورأيت فاستفدت تأديباً. قليل من الوسن. قليل من الرقاد. طيّ اليدين قليلاً للرقاد"، فهذه ثلاث جمل غير كاملة. أفنقول إنها خطأ؟ أبداً. وتقدير العبارة هو: "يكفي جداً قليل من الوسن" أو "قليل من الوسن كافٍ جداً" ... وهكذا. وفي ذلك الكتاب أيضاً نقرأ العبارة التالية: "ألم يعلم جميع فاعلي الإثم

(1/60)


الذين يأكلون شعبي أكْلَ الخبز ولم يَدْعوا الرب؟ هناك جزعوا جزعاًَ حيث ليس جزع لأن الله في جيل الصدّيقين". وعبثاً نحاول أ، نحد في النص مفعول "ألم يعلم....؟ ". وقد تركه المتحدث عمداً ليثير خيال السامعين ويهوّل لهم ما يريد تحذيرهم منه. والمراد مثلاً: "ألم يعلموا ما ينتظرهم من جزع ورعب وعقاب لا يُرَدً؟ ".
على أن هناك من يقول إنه لا حذف في الآية القرآنية وإن جواب "لَمَّا" موجود في قوله سبحانه: {قَالُوا يَا أَبَانَا ... } بعدها بآيتين على النحو التالي: {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ... } . وثم توجيهات أخرى يُرْجعَ إليها في كتب التفسير وإعراب القرآن وما إليها.
* * *
18- ويمضي صويحبنا الأحمق في لجاجاته قائلاًَ إن التركيب في الآية التاسعة من سورة "الفتح" يؤدي إلى اضطراب المعنى.

(1/61)


وها نحن أولاء نورد أولاً الآية المذكورة والتي قبلها ليتابعنا القارئ فيما نقول. قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} . وشبهة الأحمق تقول إن هناك "اضطراباً في المعنى بسبب الالتفات من خطاب محمد إلى خطاب غيره، ولأن الضمير في {تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} عائد على الرسول المذكور آخراً، وفي قوله: {تُسَبِّحُوهُ} عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً. هذا ما يقتضيه المعنى، وليس في اللفظ ما يعيّنه تعييناً يزيل اللَّبْس. فإن كان القول: {تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} عائداً على الرسول يكون كفراً لأن التسبيح لله فقط. وإن كان القول: {تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} عائداً على الله يكون كفراً لأنه تعالى لا يحتاج لمن يعزَّره ويقوَّيه" (ص 110) . ورداً على هذا السخف الذي لٌفَّته هذا الببغاء تلقينا فأداه كما قيل له دون أن يفقه منه شيئاً نقول: أما الالتفات من "كاف الخطاب" لـ "واو" المخاطبين فلست أدري ماذا فيه. إن رب العزة المتعال يخاطب رسوله قائلاً: "إنا أرسلناك (يا رسول الله) شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا (أنت وسائر العباد) بالله ورسوله ... إلخ"، فماذا في هذا الكلام مما يصعب فهمه؟ بٌؤْسَ للعقول السَّنِخة والأفواه المنتنة!

(1/62)


وأما المشكلة التي يريد أن يخلقها خلقاً في قوله عز من قائل: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} فلا وجود لها إلا في ذهنه المخبول. بالله لم لا يكون التعزير والتوقير والتسبيح جميعاً لله - عز وجل -؟ ما الذي في ذلك مما لا يناسبه سبحانه ويُوقع القائل به في الكفر؟ إن الله حلَّت قدرته ليس في حاجة فعلاً إلى أية مساعدة أو عون من أحد، بَيْدَ أن الكلام في الآية إنما هو على المجاز مثل قوله في الآية السابعة من سورة "محمد": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} وقوله في الآية 17 من "التغابن": {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} وغير ذلك. ومغزى المجاز في الآية التي بين أيدينا هو زيادة الحضّ على الاستمساك بعروة الإسلام ونصرة مبادئه والجهاد دفاعاً عنه والتضحية في سبيله بالنفس والنفيس، وهو أسلوب من الكلام يراد به استفزاز أقصى طاقات المخاطب واستنفار كل ما تجيش به نفسه من عزم، إذ متى ما قيل للمؤمن إنك، بعملك كيت وكيت، إنما تنصر الله نفسه، فإنه يهبّ بجمع طاقته وعزيمته لتحقيق ما تطلبه منه. كذلك فهذا الأسلوب يُشْعِر المؤمن بأنه شديد القرب من ربه، ويجعل حبل المودة بينه وبين مولاه قوياً متيناً. ولقد أثمر هذا

(1/63)


الأسلوب ثمرته فرأينا المسلمين يسترخصون كل شيء في سبيل نصرة دينهم ورسوله، بخلاف غيرهم ممن أسلموا نبيهم وفرّوا من حوله فأخذ يصرخ (كما جاء في كتبهم التي لا نصدقها) مستنجداً بالسماء على غير جدوى! وفي هذا بلاغ، ولا داعي للإفاضة! وأما بالنسبة للتوقير فنستشهد عليه بما جاء في الآية 13 من سورة "نوح" خطاباً من هذا النبي الكريم لمشركي قومه: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} ؟. لا مشكلة إذن في الآية كما هو واضح، بل المشكلة في الذهن المأفون!
* * *
19- وبالمثل يخلق أحمقنا برعونته مشكلة أخرى لا وجود لها إلا في عقله، إذ يقول إن "سلاسل" و"قوارير" في الآيتين 4، 15 من "الإنسان": {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} ، {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} قد نُوَّنتا رغم إنهما ممنوعتان من الصرف أي أن في الآيتين خطأ نحوياً (ص 110 - 111) . وصواب القول إن هاتين الكلمتين في المصحف الذي بين أيدينا غير منونتين. كل ما في الأمر أنهما كتبتا بالألف، ومعروف أن إملاء المصحف يختلف عن إملائنا الحالي بعض الاختلاف.

(1/64)


ولكن حتى لو نُوَّنتا، وهناك قراءة تنونهما فعلاً، فليس في تنوينهما من بأس، إذ من العرب قديماً من كان ينوَّن الأسماء كلها ما عدا "أفعل التفضيل". صحيح أننا الآن لا ننوَّن أشياء كثيرة من بينها ما كان من الجمع على وزن "مَفاعِل" و"مفاعيل"، لكن هذا لا يعدو أن يكون جانباً واحداً من المسألة، أما الجانب الآخر فهو أن المنع من الصرف لم يكن لغة كل العرب بل غالبيتهم فقط. ونحن نميل حالياً إلى التزام القواعد العامة وترك اللهجات القبلية التي لا تجرى مع هذه القواعد. إلا أن هذا شيء، والمسارعة بجهل إلى تخطئة أصحاب اللغة الأصلاء الذين منهم أخذنا قواعدنا وإياهم نحتذي فشيء آخر. فليكن الجهلاء على بينَّه من هذا حتى لا يَضِلوا ويُضِلوا! والشواهد الشعرية على صَرْف ما تعوّدنا على منعه من الصرف كثيرة في النصوص القديمة، والأمر فيه ليس أمر ضرورة شعرية فقط كما قد يُظَنً، بل هو لغة من لغات العرب كالمنع من الصرف سواء بسواء.
* * *
20- هذا، وقد سبق أن وضَّحنا، في الرد على الشبهة الثالثة، السرُّ في تذكير كلمة "قريب" في قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ

(1/65)


مِنَ الْمُحْسِنِينَ} بما يغنينا عن إعادة القول عنا رداً على الشبهة العشرين التي تورد آية أخرى توجد فيها الظاهرة اللغوية نفسها هي الآية 17 من "الشورى"، ونصها: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} .
* * *
21- ويأخذ المتنطع الفارغ العقل على قوله جلّ من قائل في الآية 196 من "البقرة" عمّن تمتّع بالعمرة إلى الحج ولم يتيسر له شراء هَدْى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} أن كلمة "كاملة" لا لزوم لها لأنها توضح ما لا يحتاج إلى توضيح، وإلا فمن ذا الذي يظن العشرة تسعة؟ (ص 11) . وهذا تنطع بلغ الغاية في السُّخْف والتفاهة. إن المتنطع التافه لا يعجبه العجب: فإذا رأى حذفاً قال: لماذا كان هناك حذف؟ وإذا رأى توكيداً قال: لا داعي ... وهكذا. وأذكر أني كنت قبل نحو عشرين سنة أسمع أغنية نجاة الصغيرة التي تسأل فيها فتاٌة حبيبها عما جعله يتنبه إلى جبّها له: أهو قلبه أحسَّ بها فجاوبها حباً بحب؟ أم كثرة الشوق الذي أطلّ من عينيها؟ أم ... ؟ أم ... ؟ أم الحنان الذي كان في "سلام يدها اليمين"؟ فتساءلتُ

(1/66)


ضاحكاً: وهل هناك "سلام" بغير اليد اليمنى حتى تحتاج الفتاة إلى تأكيد ذلك؟ ثم عدتُ أنظر في العبارة من جديد فوجدتُ الحسن كله في هذا التحديد الذي قد يبدو للعجلين إنه زيادة لا ضرورة لها، لأن هذه الكلمة قد حوَّلت "السلام" من معنًى مجردٍ إلى واقعةٍ حية يبصرها الذهن ويرى فيها اليد مشتبكة باليد تصافحها وتبثها الحنان. وكذلك الحال هنا، فقد تحولت العبارة بكلمة "كاملة" كم مسألة حسابية مجردة إلى واقعة حية. ولا تنس أن العرب في الجاهلية لم يكونوا من علوم الحساب في شيء، فكان لابد من التأكيد ليعرفوا أن رقم العشرة هنا رقم كامل لا عدد تقريبي، وهذا كقول النابغة الذبياني مثلاً:
قالت: ألا لَيْتَمَا هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه، فَقَدِ
فحسَّبوه فألْفَوْه كما حَسَبَتْ ... تسعاً وتسعين لم تنقص ولَم تزِد
وقوله أيضاً:
أسائل عن سُعْدَى وقد مرَ بعدنا ... على عرصات الدار سبعً كواملُ
وحتى في العصر العباسي نجد الجاحظ مثلاً يقول إن بعض الشعراء الجاهليين كانوا يقضون في تنقيح قصيدتهم وصقلها "حَوْلاً كريتا"، أي عاماً كاملاً لا ينقص يوماً واحداً. وكذلك نحن الآن بعد كل هذا التقدم الهائل في الحساب والرياضيات لا يزال الواحد منا يقول

(1/67)


لمدينة مثلاً: "أريد منك ألف الجنية التي اقترضتها مني كاملةً لا تنقص مليماً واحداً" أو "لابد أن تدفع الخمسمائة جنيه والسبعة عشر قرشاً التي اشتريت بها بضاعة مني، والسبعة عشر قرشاً قبل الخمسمائة جنية". وبالمثل نقول: "رأيته بعيني، وسمعته بأذني" رغم أن الرؤية لا تكون إلا بالعين، ولا السَّمْع إلا بالأذن، وقد فات الجاهلَ الفَدْمَ أن الكلام لا يمكن أن يجري دائماً على وتيرة آلية واحدة في كل الأحوال والسياقات، بل لابد من نتوءات ومفاجآت تُنْعشه وتجعله جديداً أخضر، وإلا فيستطيع أي متنطع أن يعترض مثلاً على ما جاء في الفقرة 23 من الفصل التاسع والعشرين من سفر "الخروج"، إذ يأمر الله هارون أن يأخذ إلى المذبح "رغيفاً واحداً من الخبز وجَرْدقَةً واحدة من الخبز"، ويتساءل: "ولم وُصِف كل من الرغيف والجردقة بأنه واحد، والرغيف لا يكون إلا رغيفاً واحداً رغيف ولا رغيفين ولا ثلاثة، ومثله الجردقة؟ أليس هذا تزيداً في الكلام لا جدوى منه؟ ". هذا ما يقوله المتنطع الأملط العقل مثل "عبد الفاضي"، أما العقلاء فإنهم يحترمون أنفسهم ولا يعترضون.؟ ومثل ذلك ما جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل السادس عشر من سفر "الأحبار" من قول كاتب السفر: "مرة واحدة في السنَّة"، وكذلك قوله في آخر الفصل العشرين عن العرّاف: "فَلْيُقْتَل

(1/68)


قتلاً بالحجارة"، الذي يمكن أن يتحامق فيه أي جهول فيقول: "وهل يمكن أن يُقْتَل أي شيء آخر غير القتل؟ فلماذا قيل إذن: "فَلْيُقْتَلْ قتلاً" ولم يُقَلْ: "فَلْيُقْتَل" فقط؟ وبالمثل يستطيع أي بليد جاهل أن يتساءل عن السّر فيلا جمع السُّبوت في الأعوام السبعة في آخر العبارة التالية بعد أن عُرِف أن المدة هي سبع سنين في كل سنة منها سبعة سبوت: "واحسُبْ لك سبعة سبوت من السنين سبع سنين سبع مرات فتكون لك أيام السبوت السبعة تسعاً وأربعين سنة" قائلاً: "وهل يكون حاصل ضرب 7 في 7 إلا 49؟ ". ثم ما هذه العثكلة في قوله: "سبعة سبوت من السنين سبع سنين سبع مرات" التي توحي بأن مؤلف الكتاب كتبه وهو سكران أو مرهق يريد أن ينام؟ ومثل ذلك أيضاً ما جاء في الآية 24 من الفصل الثامن من سفر "يشوع": "وسقطوا جميعهم بحدَ السيف عن آخرهم" مع أنه كام يكفي، بماء على رأي المتنطع الجهول، أن يقال: "وسقطوا بحد السيف". ومثله قول مؤلف "نبوءة زكريا على لسان الله سبحانه: "في اليوم الرابع والعشرين من الشهر الحادي عشر الذي هو شباط"، إذ يَقْدِر أيُّ نَزِقٍ من كينة المدعوّ عبد الفاضي أن يقول

(1/69)


مستنكراً: "وهل يمكن أن يكون الشهر الحادي عشر شيئاً آخر غير شباط؟ ". ومثله أيضاً عبارة "مدة يوم كامل"، حيث وُصِف "اليوم" بأنه "كامل"، ومعروف أن "اليوم" لا يمكن أن يكون إلا يوماً كاملاً لا ثلاثة أرباع يوم أو أربعة أخماسه أو خمسة أسداسه مثلاً؟ ومثله عبارة: "ومِنْ كلَ حيَّ من كل ذي جسد اثنين من كلً" حيث كرر عبارة "من كل" ثلاث مرات دون داع.
* * *
22- ومن "عشرة كاملة" إلى لغة "أكلوني البراغيث" كما يسميها النحاة. ذلك أن الجاهل المتغشمر يظن بعقله الضيق أن هناك غلطة نحوية في قوله تعالى في الآية 3 نم "الأنبياء": {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} ؟ ، إذ يزعم أن الصواب يقتضي حذف "الواو" من "أسرّوا" فيكون الكلام: "وأسرَّ النجوى الذين ظلموا" (ص 111) . وهذا اعتراض يدل على تفاهة عقله، ذلك أن الآية تخلو تماماً مما يمكن أن يؤخذ عليها، فالتركيب عربي سليم مائة في المائة، ولو كان فيه أدنى شيء ما سكت عليه العرب. أما إذا أردنا توجيهه فنحن بالخيار: فإما أن

(1/70)


يكون تقدير الكلام: "وأسرَّوا النجوى، (أعني) الذين ظلموا: هل هذا إلا بشرَّ مثلكم؟ "، وإما أن يبقى الكلام على حاله دون تقدير، وتكون "واو الجماعة" في "اسرَّوا" حرفاً يدل على جمع الذكور (لا فاعلاً) كما تدل التاء في "أقبلتْ فاطمة" على المفردة المؤنثة، أو تكون "واو الجماعة" هي الفاعل، و"الذين ظلموا" بدلاً منها.
وعلى أية حال فقد وردت شواهد على هذا التركيب في الشعر العربي القديم. يقول عروة بن الورد:
وأحقرهم وأهونهم عليه ... وإن كانا له نَسَبٌ وخِيرُ
ويقول أُحَيْحة بن الجراح:
يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـل أهلي، فكلهم يَعْذِلُ
ويقول عمرو بن ملقط:
أُلْفِيَتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
ويقول محمد بن عبد الله العتبي:
رآيْن الغواني الشيَّبْ لاح بعارضي ... فأَعْرَضْن عني بالخدود النواضِرِ
ومثله الشاهد التالي:
ألا يا اسلما يا دِمْتَنَىْ أم مالكٍ ... ولا يَسْلَما بَعْدَيْكما طَلَلانِ

(1/71)


وكذلك هذا الشاهد:
نصروك قومي فاعتززتَ بنصرهم ... ولو إنهم خذلوك كنتَ ذليلاً
ثم هذا الشاهد:
نُسِيَا حاتمً وأوسً لَدُن فا ... ضَتْ عطاياك يا ابن عبد العزيز
ثم هذا الشاهد أيضاً:
فأدركْنه خالاُته فَخَذَلْنه ... ألا إن عرق السوء لابدً مُدْرِكُ
ثم هذا الشاهد لأبي فراس الحمداني:
نتج الربيع محاسناً ... أَلْفَحْنَه غُرُّ السحائبْ
ثم هذا الشاهد لأحد شعراء "اليتيمة":
إلى أن رأيتُ النجم وهو مغرًبَّ ... وأقبلْنَ راياتُ الصباح من
* * *
23- والآخر يعيب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى في الآية 21 من "يونس": {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... } ، قائلاً إن الالتفات قد حدث قبل

(1/72)


تمام المعنى، "والأصح أن يستمر على خطاب المخاطب" (ص 111) . وهذا يعني أن ذلك الجاهل يقيم من نفسه معياراً للصحة اللغوية والذوق البلاغي الرهيف، وهو الذي رأيناه يخطئ الأخطاء الفاحشة في أوَليات النحو. أليس ذلك من دواهي الزمن؟ من أين لهذا الجاهل (الذي لو كان الأمر بيدي لعهدت به إلى مدرس خصوصي وأوصيتُه أن يقوّم عوجه وبلادته بالخيزرانة) من أين له أن الالتفات لا ينبغي أن يُسْتَعْمل إلا إذا انتهت الجملة وبدأت جملة أخرى؟ لذلك لن أراد على هذا السخف وسأكتفي بإظهار المغزى البلاغي والنفسي لهذا الالتفات. والواقع أن في هذا الأسلوب تعبيراً عن الإعراض عن النخاطبين في الآية وإظهار للزراية والإنكار عليهم، فما أكثر ما يولَى الواحد منا صَفْحَهُ أو ظَهْرَه لمن لا يريد أن يستمر في الحديث معه احتقاراً له أو سخطاً عليه وما إلى ذلك، فهذا من ذاك.
وهناك شواهد على ذلك الأسلوب من الكتاب المقدس عند صويحبنا، مثل قول إخوة يوسف لفرعون: "جئنا لننزل بأرضك، إذ ليس لعبيدك مرعًى من اشتداد الجوع في ا {ض كنعان، فلْيُقِمْ عبيدك بأرض جاسان"، حيث ثم الالتفات من جماعة المتكلمين

(1/73)


إلى جماعة الغائبين قبل تمام المعنى. ومثله قول بني إسرائيل في ابتهالهم لربهم: "قد خطئنا إليك وتركنا إلهنا وعَبَدْنا البعليم"، حيث تحول الكلام من المخاطب في "إليك" إلى الغائب في الاسم الظاهر "إلهنا". ومثله قول يهوديت: "الربّ يمحق الحروب ... جعل معسكره في وسط شعبه لينقذنا من أيدي جميع أعدائنا"، حيث انتقل الحديث من الغائب المفرد في "شعبه" إلى جماعة المتكلمين عقب ذلك مباشرة في "لينقذنا ... أعدائنا"، وذلك قبل تمام الجملة. ومثله أيضاً هذا القول المنسوب للسيد المسيح عليه السلام يخاطب تلاميذه: "إنكم أنتم الذين تبعتموني في جيل التجديد. متى جلس ابن البشر على كرسيّ مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً وتدينون أسباط بني إسرائيل الاثني عشر"، حيث تغير الاتجاه من ضمير المتكلم في "تبعتموني" إلى الغيبة في قوله: "ابن البشر". ومثله كذلك قول بولس إلى أهل أفسس: "حين كنا أمواتاً بالزلاًت أحياناً مع المسيح فإنكم بالنعمة مخلَّصون. وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح

(1/74)


يسوع"، حيث تحوّل الضمير من جماعة المتكلمين في "كُنّا" إلى جماعة المخاطبين في "إنكم" ثم عاد ثانية إلى جماعة المتكلمين، وذلك كله قبل أن يتم المعنى، فماذا يقول العبد الفاضي في هذا؟ وهناك أمثلة أخرى أكثر من الهم على القلب!
* * *
24- كذلك يستغرب جاهلنا أن القرآن لم يقل في الآية 62 من سورة "التوبة": "وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُما" بدلاً من {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} ، فيثَّنى الضمير العائد على الاثنين: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ} بدلاً من إفراده. وهو يعدّ ذلك خطأ (ص 111) . والحق أن هذا أسلوب عربي صميم ليس فيه شيء إلا عند الإفهام الخربة والأذواق العطنة، وذلك كقول قيس بن الخطيم:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ، والرأي مُخْتَلِفُ
وقول حسان:
إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ... ـود ما لم يُعاصَ كان جنوناً
وأُضيفُ إلى ذلك أن هذا الأسلوب لم يقتصر وردوه في القرآن الكريم على هذه الآية وحدها بل يجده القارئ أيضاً في قوله تعالى مثلاً في

(1/75)


الآية 34 من "التوبة" عن الأحبار والرهبان: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، وقوله جَلَّتْ قدرته في الآية 11 من سورة "الجمعة" مخاطباً رسوله عليه السلام بشأن بعض المسلمين ممن تركوا خطبة الجمعة عند ورود قافلة التجارة التي كانوا ينتظرونها: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} . ومغزى إفراد الضمير في الآية التي اعترض عليها الجاهل هو أن رضا الرسول متضمَّت في رضا الله لأنه عليه السلام إنما ينطق عن وحي السماء. وفي هذا تنبيه إلى أن رضاه - صلى الله عليه وسلم - من الأهمية بمكان، فكأن الذي يعصيه ويُعْضِبه قد عصى الله ذاته وأغضبه.
* * *
25- ونأتي إلى آخر الشُّبه الموجودة في فصل الكتاب الخامس المسمَّى "أسئلة لغوية"، وهي تتعلق بجمع كلمة "قلب" في قوله عز شأنه يخاطب عائشة وحفصة - رضي الله عنهما - وأرضاهما حينما زادت غيرتهما على رسول الله إلى الحد الذي ضايقه: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ، إذ يتساءل هذا العبقري: "لماذا لم يقل: "صغا قلباكما" بدل {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} إذ إنه ليس للاثنتين أكثر من قلبين؟ " (ص 112) . ما كل هذه العبقرية؟ لقد اكتشف نياقته ما

(1/76)


لم يكتشفه أحد من الأولين والآخرين فعرف أن للإنسان قلباً واحداً لا قلبين أو أكثر. وأنا أحيّيه على هذا الاكتشاف وأنّبه من يقولون: "هذه الفتاة عيونها جميله، وخدودها أسيلة، وأثداؤها كالرَمّان، وأردفها كالكثبان، وسيقانها لا أدري ماذا" إلى أن عليهم من الآن فصاعداً ألا يستخدموا صيغة الجمع هنا بل يستعملوا بدلاً منها صيغة المثنى. خيبة الله على كل تافه جهول! ترى ماذا نفعل مع الشعراء والأدباء، وهم منذ خلقهم الله يميلون في كثير من الأحيان إلى التوسع في مثل هذه التعبيرات؟ يقول الأعشى مثلاً:
إذّا تقُومُ يَضُوع المِسْك أَصْوِرَةً ... والزنْبق الورد من أردانها شَمِلُ
فجمع "الأردان" مع أن لها رُدْنين "أي كُمَّيْن) اثنين فقط. ويقول قيس بن الخطيم:
كأن لَبّاتها تضمّنها ... هَزْلَى جَراَدٍ اجوازه جُلُفُ
واللَّبَة: أوسط الصدر والمنحر، وللمرأة لبة واحدة لا لبَّات. ويقول السُّلَيْك بن السُّلَكة:
كأن مجامع الأرداف منها ... نَقّى درجتْ عليه الريحُ هارا

(1/77)


وللمرأة ردفان اثنان، لكن الشاعر استخدام صيغة الجمع. ويقول بشامة بن الغدير في ناقته:
كأن يديها إذا أَرْقَلَتْ ... وقد جُرْنَ ثم اهتدين السبيلاً
بدا غانمٍ خَرً في غمرةٍ ... قج ادركه الموت إلا قليلاً
حيث جعل الضمير العائد على "اليدين" ضمير جمع، وهو نون النسوة. وعلى العكس من ذلك يقول امرؤ القيس: "ففاضت دموع العين مني صبابةً" رغم إنه بكلا بعينه الاثنتين ى بعين واحدة. ويقول بشر بن أبي خازم في حبيبته إنها "رَياً المعصم" مع أن لها معصمين اثنين لا معصماً واحداً. وبالمثل يصف عمرو بن كلثوم امرأة فيقول إنها "تُريك ... ثَدْياً مثل حُقّ العاج" بدلاً من "ثديين". كما يقول بشامة إن من ينظر إلى ناقته يرى لها "يداً سُرُحاً" بصيغة المفرد ... إلخ، وهو كثير. ثم ماذا نقول لتوفيق الحكيم، وقد ألف مسرحية عنوانها "الأيدي الناعمة" تتحدث عن رجل أرستقراطي لا يحب أن يشتغل بيديه كبقية خلق الله، لكن الحكيم جعل له "أَيْدِياً" لا "يدين"؟ ومذا نقول أيضاً لمحمود تيمور، الذي سمّى قصه من قصصه: "شفاه غليظة" رغم إنه إنما يقصد شفتى فتاة واحدة ليس إلا؟ أنقول لهما: أخطأت يا توفيق الحكيم أنت

(1/78)


ومحمود تيمور، فإذهبا وتوبا على يد الجاهل المتنطع حتى يكتب لكما صَكّ غفران تضمنان بد دخول الجنة؟
إن اللغة يا عبد الفاضي بَحْها طامٍ، وزالعيال من أمثالك عليهم أن يقفوا على الشاطئ بعيداً عن أمواجه حتى لا يجرفهم التيار. ألم تسمع مثلاً من يقول إن "الخطيب الفلاني ألقى كلمة مؤثرة أمس" مع إنه قد تلفّظ في خطبته بآلاف الكلمات؟ ألم يأتك أحد أقربائك أو أصدقائك ليقترض منك "قرشين"، وهو في الواقع يريد ألف جنية مثلاً، وربما آلافا؟ وفي الإنجليزية كثيراً ما نسمع الصديق يقول لصديقه، بعد غيابه عنه شهراً مثلاً، إنه لم يره "منذ دهور:
for ages". وهذا كله من باب التوسع اللغوي، وفيه من البلاغة ما يبهر الألباب، ووجه استعمال "القلوب" في الآية الكريمة، حسبما أتصور، هو أن القرآن المجيد يريد لأُمَّىِ المؤمنين، - رضي الله عنهما -، أن تَصْغُوَا بكل خلجات قلبيهما إلى الحق، فكأن الآية قد استعملت "القلوب" يمعنى المشاعر والخواطر.
والآن إلى شواهد من الكتاب المقدس عند العبد الفاضي على هذا

(1/79)


الاستعمال. خذ مثلاً: "إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيئتهم قد عظُمَتْ جداً"، حيث أُضيفت كلمة "خطيئة" إلى ضمير جمع الذكور، وكان ينبغي، بناءً على مزاعم العبد الفاضي، أن يقال: "وخطاياهما". وخذ ثانياً: "وهكذا كانوا يجلبون على يدهم لجميع ملوك الحثّيين وملوك أرام"، وكان يجب، طيقاً لفتوى الأخرق، أن يقال: "على أيديهم"، إذ إنهم جماعة لا فرد، فلهم أًيْدٍ متعددة لا يد واحدة. وخذ أيضاً: "حذّك كفلقة رمانة"، والمفروض، حسبما يقول المتنطع، أن يقال: "خدّاك كفلقتَى رمانة". وخذ رابعاً: "ثدياك مثل العتاقيد"، وكان ينبغي، بناء على فهمه الكليل، أن يقال: "ثدياك مثل عنقودين". ثم خذ خامساً هذا الشاهد الذي يشبه بالضبط ما عابه ذلك البليد: "وجعلوا أَسْوَرِةً في أيديهما وتاج فخر على أرؤسهماً"، إذ قيل: "أرؤسهما" بدل "رأسيهما". ومثله الشاهد التالي: "إن شاء أحد أن يضربهما تخرج

(1/80)


النار من أفواهما". أليس ينبغي بعد هذا أن يخرس كل سمج وذيل؟
* * *
وهناك شبهات لغوية أخرى أوردها هذا الشقيُّ في مواضع أخرى من كتابه منها قوله: "جاء في فواتح 29 سورة بالقرآن حروف عاطلة لا يُفْهَم معناها" (يقصد الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور كالبقرة والحِجْر والشورى) ، ثم يختم كلامه متسائلاً: "إن كانت هذه الحروف لا يعلمها إلا الله كما يقولون، فما فائدتها لنا؟ إن الله لا يوحى إلا بما يفيد، فكلام الله بلاغ وبيان وهدى للناس" (ص 175) .
وبادئ ذي بدء أسارع فأقول: أوليس هذا الكون الهائل من صنع الله أيضاً؟ فهل كل شيء فيه مفهوم وواضح للبشر؟ بل هل كل شيء على الأرض وحدها مفهوم لنا وواضح؟ بل هل كل شيء في جسم الإنسان فقط وواضح له؟ أما ما يُفْهَم من قوله إن المسلمين يَرَوْنَ ألا سبيل إلى معرفة معنى هذه الحروف فهذا كلام بعذ العلماء فقط، لكن هناك فريقاً آخر يرى أن المقصود بها تنبيه

(1/81)


المعاندين إلى أن القرآن مؤلف من هذه الحروف وأمثالها، ومع ذلك لا يستطيع أي بشر أن يأتي بمثله ولا بسورة منه. ونحن إذا ما قرأنا الآية التي تلي هذه الحروف في كل سورة تقريباً وجدنا أن هذا تفسيَّر جدً وجيةٍ، كقوله تعالى مثلاً: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} (البقرة) ، {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} (الحِجْر) ، {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (فُصَّلَتْ) ، {حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الشورى) ، إذ المعنى في الشاهد الأخير على سبيل المثال إنه من هذه الحروف وأشباهها (وهذا معنى قوله سبحانه: {كَذَلِكَ} {يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . وقِسْ على ذلك السُّور الباقية، وإن لم يأت التعبير فيها جميعاً على هذا النحو المباشر بل يتنوع من سورةٍ إلى أخرى. أما السورتان أو الثلاث التي لا يوجد في أولها مثل هذه الإشارة، ففي الكلام فيها حذف مالحذف الذي يقابلنا في كثير من آيات القرآن الكريم جرياً على سنة العرب وغير العرب في لغاتهم.
وللمفسرين آراء أخرى في تفسير هذه الحروف: منها مثلاً إنها أسماء للسور التي تبتدئ بها. ومن هذا أننا، عندما كنا صغاراً نحفظ القرآن في الكتاب، كنا نقول مثلاً: لقد وصل فلان في

(1/82)


جفظه للقرآن إلى "الحواميم"، وبعض العلماء يقولون إنها اختصار لأسماء الله، وبعضهم يقول: بل هي اختصار لصفاته تعالى، فإذا أخذنا "ألم" مثلاً فإن "الألف" تشير إلى "آلاء الله"، و"اللام" إلى "لطفه" و"الميم" إلى "مجده وملكه" ... وهكذا. ومع أن الاتجاه الحديث في التفسير بوجه عام لا يأخذ بهذا الرأي فإنه، رغم كل شيء، أَوْجَهُ من ذلك التفسير البهلواني الذي يدّعى كاتب سفر "نبوءة دانيال" في العهد القديم أن دانيال قد فسَّر به حلم الملك البابلي حين رأى في منامه كتابة مرسومة ليس لها معنّى هذا نصّها: "مَنَا مَنَا تَقِلْ وفَرْسِين"، إذ قال له: "مَنَا أي أحصى الله ملكك وأنهاه. تَقِلْ، أي وُزِنْتَ في الميزان فوُجِدْتَ ناقصاً. فَرِسْ، أي قُسِمَتْ مملكتك ودُفِعْتَ إلى ماداى وفارس". ترى أيمكن أن يدخل في رُوع أحد أن يهودياً منفياً في مملكة ذلك العاهل يمكن أن يجبهه بهذا الكلام الفظيع؟ وأدهى من ذلك وأطمّ أن يدّعى كاتب السفر أن الملك، من إعجابه بهذا التفسير، قد ألبسه الأرجوان وطوّق عنقه بالذهب! إن هذا لهو المستحيل بعينه، إذ لو صحت الرواية لما كان رد فعل الملك شيئاً آخر غير تطيير رقبة اليهودي بالسيق في التوّ واللحظة! على أن المسرحية لمَّا تكتمل فصولاً، إذ تمضي فتقول إن الملك البابلي قد قُتِل في الليلة ذاتها وانتقل ملكه فعلاً إلى الملك

(1/83)


داريوس المادي.
بَيْدَ أن الباحثين في العقود الأخيرة قد توصّلوا، عن طريق استخدام الحاسوب، إلى مغزى إضافي لورود هذه الحروف في أوائل السور، إذ وجدوا أن كل حرف منها هو أكثر الحروف دوراناً في سورته، إما إذا كان هناك حرفان أو أكثر فإن تردّد أولها يكون أكبر عدداً من تردد الثاني، وهذا أكبر عدداً من تردد الثالث ... وهكذا. ولا تزال الأيام المقبلة حُبْلَى بالكثير من هذه الاكتشافات الخاصة بالحروف والأرقام. ومن العلماء من وجد تناغماًَ مذهلاً بين أعداد المرات التي تتكرر فيها الألفاظ المتقابلة كالجنة والنار، والإنس والجن، وما إلى ذلك مما يجد القارئ شيئاً منه في بحوث المرحوم عبد الرازق نوفل عن الإعجاز العددي في القرآن الكريم.
ثم إن الذي يقرأ كلام ذلك الأحمق يظن أن كتابهم المقدس قد خلا من الألفاظ التي حيّرت مفسريهم رغم أن أسلوبهم في تفسيرِكتبهم يفتقر إلى الإنضباط والمنهجية ويتسع لكل شيء ولأي شيء. ولن أذكر للببغاء إلا مثالاً واحداً هو كلمة "سِلاه" التي وؤدت في "مزامير داود" 63 مرة، وثلاثاً في "نبوءة حَبَقّوق" والتي اختلف

(1/84)


مفسروهم في شرحها اختلافاً شديداً ومازالوا رغم إنهم، كما قلت، لا يتقيدن بمنهج في تفسيرهم.
وأخيراً قد يكون من المفيد أن نشير إلى الطريقة التي شكَّل بها هذا اللعينُ الحروفَ المقطعة في أوائل السُّوَر، فقد ضبط كل حرف فيها بالفتحة (هكذا: أَلَمَ، طَسَ، حَمَ (1) عَسَقَ ... إلخ) مع أن الصواب هو نطق كل منها كما يُنْطَق في الأبجدية منفرداً. فأنظر أيها القارئ إلى مدى جهل هذا الأحمق الذي يتصدى لنور الله بنفجة من فمه المنتن يظن إنه يقدر أن يطفئه بها!
* * *
ومن اعتراضاته الحمقاء قوله: "كيف يكون القرآن عربياً مبيناً وبه كلمات أعجمية كثيرة من فارسية وأشورية وسريانية وعبرية ويونانية ومصرية وحبشية وغيرها؟ ". وقد أتبع هذا السؤال الصبياني بقائمة من الألفاظ التي يقال إنها أعجمية (ص 175 - 177) .
وقبل أن أبين ما في كلام هذا الأحمق من سخفٍ جاهلٍ أشير إلى وجهات نظر علمائنا القدامى في هذه المسألة: فبعضهم يقول إن هذه الألفاظ المنسوبة إلى اللغات الأعجمية هي أيضاً الألفاظ عربية، وقد وردت هنا وهناك من باب الإتفاق وتوارد الخواطر. وهذا الرأي

(1/85)


يقول به الطبري والرازي وكثير من العلماء. وقد كنت أستغرب في البداية هذا الكلام، إلى أن تنبهت إلى أن كثير من هذه الألفاظ منسوب لهذه اللغة السامية أو تلك إلى جانب العربية، فمن الطبيعي إذن أن تكون موجودة في لغتنا وفي تلك اللغات في ذات الوقت لأنها كلها منحدرة من م واحدة هي اللغة السامية، مثلما توجد ألفاظ كثيرة مشتركة بين اللغات المتفرعة من اللاتينية. وهناك رأي آخر مُفَاده أن هذه الألفاظ الأعجمية قليلة لا يُعْتَدً بها ولا تُخْرِج القرآن من ثم من عروبته. وهذا القول منسوب إلى ابن عباس وعكرمة وغيرهما. أما الرأي الثالث فيتلخّص في أن العرب قد عَلِقَتْ هذه الألفاظ في أثناء سفرها إلى البلاد المجاورة، لكنهم عرّبوها، أي أعطَوْها شكلاَ عربياً حتى جرت مجرى العربي الصريح. ومن أصحاب هذا الرأي أبو القاسم عبيد بن سلام.
وكعادتي في التسليم بما يقول صويحبنا سوف أفترض أن كل هذه الألفاظ هي فعلاً ألفاظ أعجمية، فهل هذا يُخْرِج القرآنَ عن

(1/86)


عروبته؟ أبداً لأنه ما من لغة من اللغات إلا وفيها ألفاظ كثيرة جداً من اللغات الأخرى. بل إن اللغة العالمية الأولى في عصرنا الحالي، وهي الإنجليزية، مفعمة بالآف الألفاظ والعبارات المأخوذة بنصها من اللاتينية والفرنسية والعربية والألمانية والفرنسية واليونانية. وفي الأسبانية، وهي أيضاً إحدى اللغات العالمية، عدد هائل جداً من الكلمات العربية، ولا يقدح ذلك في إسبانيتها. وقل مثل ذلك في الفارسية والتركية والسواحلية والأوردية، ولم يدّع أحد أن هذه اللغات قد فقدت هويتها بسبب ما غزاها من جيوش الألفاظ والعبارات العربية. إن الظن بأن هناك لغة نقية من الألفاظ الأجنبية هو كالظن بأن هناك جنساً من الأجناس البشرية لم تخالط دماءه أية دماء أجنبية قط، وهو ظنًّ طفوليًّ لا يقول به إلا أحمق متنطع كصاحبنا. والعبرة على كل حال بقواعد اللغة وتراكيبها وطرائقها الخاصة بها في التعبير والتصوير وما إلى ذلك. ولنفترض أن هذه الألفاظ مما

(1/87)


يُخْرِج القرآن عن عربيته، فإلى أية جنسية يا ترى ننسبه؟ ثم إن الكتاب المقدس عند هذا الأُحَيْمِق وأشباهه تتداخل فيه لغات شتى كما هو معروف، فلماذا يثير هذه الشبهة إذن؟ بل لماذا لا يثيرها إلا بالنسبة للقرآن ولم يُثِرْها بالنسبة للغة العربية كلها؟ أم إن أفاعي حقده هو ومن وراءه لا تهيج إلا على القرآن فقط؟
وهذا كله على افتراضأن هذه الألفاظ كلها ألفاظ أعجمية. ولقد أثبتَّ في كتابي "دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية - أضاليل وأباطيل" أن معظم ما يقول المستشرقون والمبشرون إن العربية قد استعارته من اللغات السامية الأخرى هو زعم باطل؟ كما أن أحد تلاميذي الذين درسوا معي للحصول على درجة الدكتورية قد انتهى في بحثه إلى أن الأغلبية الساحقة من الألفاظ القرآنية المقول بأعجميتها هي ألفاظ عربية أصلية. وقد ارتكن في دراسته هذه على معرفته ببعض اللغات السامية ورجع إلى كل ما استطاع أن يضع يده عليه من مؤلفاتِ من كتبوا في هذه القضية من عرب ومستشرقين.

(1/88)


وعلى كل حال ففي الكتاب المقدس عند المتنطع الجهول ألفاظ من لغات شتى، إلا أنه تمت ترجمته إلى لغة الضاد أصبحت هذه الألفاظ عربية. ومع هذا ففي الترجمة نفسها ألفاظ كثيرة أبقاها المترجمون كمت هي ولم يترجموها إلى العربية، مثل "الكروبون، والأفود، والإيفة، والبعليم، والترافيم، والفُور، والفُوريم، والسَّرُوفون، والبهيموت، وماران أتا، وسِلاَه، والكِنّاره، والمهندس، واللواياثان، ومَنَا مَنَا تَقِلْ وفَرْسِين، والتوارة، والإنجيل، والآب، وهلَّلويا، وهُوشَعْنا، وإيلى إيلى لمّا شبقتنى، والكرازة، ورابى، ورايونى، ويوصنَّا، وأناثيما ... إلخ".
* * *
وتحت عنوان "الكلام المتكرر"، وهو أحد عناوين الفصل التاسع المسمَّى "أسئلة فنية"، يقول صويحبنا إن "بالقرآن الكثير من التكرار اللفظي كما في سورة "الرحمن" (يقصد تكرار قوله تعالى مخاطباً الإنس والجن: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ؟ بعد كل آية أو آيتين بدءاً من الآية 12) ، أو التكرار المعنوي كما في قصص الأنبياء"، ثم يختم كلامه بالسؤال التالي: "أليس في هذا التكرار عيب الخلل والملل والبعد عن ضروب البلاغة؟ " (ص 184 - 185) .
ولن أحاجّ هذا الأعمى البصر والبصيرة إلا بأن هذا الذي

(1/89)


يستهجنه في القرآن موجود على نطاق أوسع وأشد بما لا يقاس في كتابهم المقدس، فالملل الذي يصيب قارئ الجزء الأخير من سفر "الخروج" وكل أسفار "الأخبار" و"العدد" و"الاشتراع" وأوائل "أخبار الأيام الأول" أمر لا يطاق. إنه يصل إلى حد الغثيان والدُّوار وزغللة العين: فمن سلاسل أنساب وأسماء أشخاصٍ ومواقعَ تتابع وتتداخل ويأخذ بعضها برقاب بعض، إلى تفصيلات تفصيلات التفصيلات، إلى حوادث ذكرها، وعهود يُعَاد صوغها ... إلخ حتى تتركك القراءة جثة هامدة. وفي "المزامير" و"الأمثال" يظل الإنسان يطالع نفس الأفكار والمشاعر مصوغة بنفس العبارات أو بعبارات متقاربة على مدى مائة وستين صفحة من الصفحات المزدحمة حتى ليختنق اختناقاً. ثم هناك أسفار النبوءات الخاصة بأنبياء بني إسرائيل التي تكتظ بتفريغ هؤلاء الأنبياء لأقوامهم الصًلاب الرقبة وشَتْمهم لهم ولعنهم إياهم وشماتتهم بهم وتنبؤهم بما ينتظرهم من مستقبل أسود مما يستغرق مئات الصفحات. وهذا في العهد العتيق، أما في العهد الجديد فعندنا أربعة أناجيل كل منها يحكي سيرة المسيح عليه السلام من البدء إلى النهاية: نفس الحوادث، نفس الأشخاص، نفس الحوارات. وقد كانت سيرةٌ واحدةً فقط منها تكفي.

(1/90)


وبالنسبة لتكرار آية {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ؟ عدة مرات في سورة "الرحمن" نذكّر صويحبنا الجاهل بعبارة "فإن إلى الأبد رحمته"، التي تتابعت ستا وعشرين مرة في ست وعشرين جملة هي مجموع المزمور الخامس والثلاثين بعد المائة، كما تكررت قبل ذلك في المزمور السابع عشر بعد المائة في الآيات الثلاث الأولى والآية الأخيرة. ومثلها كلمة "سلاه"، التي تتكرر كثيراً في عدد من المزامير تكراراً متقارباً. ولنأخذ أيضاً: "سبًحوا اله في قدسه. سبًحوه في جَلَد عزته سبًحوه لأجل جبروته. سبًجوه بحسب كثرة عظمته. سبًحوه بصوت البوق. سبًحوه بالعود والكنًارة. سبًحوه بالدفّ والرقص. سبًحوه بالأوتار والمزمار. سبًحوه بصنوج السماع. سبًحوه بصنوج الهتاف. كلّ نسمة فلتبًح الربّ"، وهو كل المزمور المائة والخمسين. وفي الفصلين الأول والثاني من سفر "الجامعة" تظل تردد لإي آذاننا بإلحاح مزعج أن "الجميع باطل وكآبة الروح". أما في بداية الفصل الثالث فتأتي عبارة "للشيء الفلاني وقت" ثلاثين مرة على النحو التالي: "لكل غرضٍ تحت السماء وقت: للولادة وقت، وللموت وقت. للغَرْس وقت، ولقلع المغروس وقت ... للاعتناق وقت، وللإمساك عن المعانفة وقت ... للتمزيق وقت، وللخياطة وقت ... " وهكذا إلى آخر المرات الثلاثين. وفي الفصل الأربعين من سفر "يشوع بن سيراخ" تتكرر عَشْرَ مرات تقريباً عبارةٌ

(1/91)


"الأمر الفلاني والأمر الفلاني شأنهما كذا وكذا، ولكن الأمر العلاّني فوق كليهما". وفي الفصل الثالث والعشرين من إنجيل متى تقابلنا العبارة التالية سبع مرات منسوبة للسيد المسيح في صفحة واحدة ليس غير: "الويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراؤون"، ومثلها في نفس الفصل عبارة "أيها العميان" أو "أيها الجهّل والعميان" موجهةً أيضاً إلى طائفة الفرّيسييّن. وعلى مدى الفصلين الثاني والثالث جميعاً من "رؤيا القديس يوحنا" تقابلنا بعد كل عدة آيات قوله: "من له أذن فلْيسمع ما يوقله الروح للكنائس" ... وهذه بَغْدُ مجرد أمثلة قليلة.
ودعنا الآن مما يكتظ به الكتاب المقدس من تناقضات وأخطاء أصبحت رائحتها تزكم الأنوف، ولم يعد القوم يقدرون على إخفائها والتعمية عليها كما كانوا يصنعون في عصور الظلمات والجهل، بل قصاراهم الآن تسويغها بنظرية مضحكة تقول إن المضمون العقيدي والأخلاقي لهذه الكتابات هو من عند الله، ومن ثم فلا خطأ فيه، بخلاف الأسلوب اللغوي والمعلومات التاريخية والحسابية والعلمية، فهذا من عند المؤلفين الذين وضعوا هذه الكتب، وهو أمر طبيعي لأنهم بشر. وهي نظرية مضحكة كما قلتُ: فضلاً عما فيها من كذب لأن المضمون العقيدي والأخلاقي في هذه الكتب يعج هو

(1/92)


أيضاً بالأخطاء والتناقضات ويشوّه مفاهيم الألوهية والنبوة والأخلاق تشويها فظيعاً.
لهذا ولذلك فإنني لا أستطيع أن أفهم كيف جرؤ هذا الأبلة على مهاجمة القرآن بأن فيه تكرارا! إن ذلك التعيس لينطبق عليه القول المنسوب عندهم إلى السيد المسيح عليه السلام: "ما بالك تنظر القَذَى الذي في عين أخيك ولا تفطن للخشبة التي في عينك؟ يا مرائي، أَخْرِج أولاً من عينك، وحينئذ تنظر كيف تُخْرِج القذى من عين أخيك".
* * *
ومما يُجْلِب به ذلك الأخرق أيضاً من شبهات تبعث على القهقهة ما قاله كذلك في هذا الفصل تحت عنوان "الكلام الغريب" من أن في القرآن كثيراً من الكلمات الغريبة مثل "أَبَ وغِسْلين وحَصْحَصَ وعَسْعَسَ والناقور ومُدْهَامَّتّان"، إذ يتشاءل قائلاً: "أبيست هذه الألفاظ الغريبة مخالفة للذوق السليم في فن الإنشاء؟ " (ص 196) . فعلاً ما كان ينبغي أن تكون في القرآن مثل هذه الألفاظ، بل كان يجب أن يجئ أسلوبه على غرار ما كانوا يعلّمونه للأطفال في بداية المرحلة الإبتدائية في مصر قبل بضعة عقود من مثل": "شَرْشَرْ

(1/93)


نَطّ يأكل فَتّ"! يالله من هذا السخف! يالله من هذه الرقاعة! وأبعث من ذلك على القهقهة أن تأتي هذه الملاحظة من جاهل ركيك العقل واللغة لا يستطيع أن يصون عبارته من أخطاء النحو الأولية! لقد كلّم القرآن الكريم العرب بالأسلوب الذي يفهمونه، ومن الطبيعي بعد كل تلك القرون أن تصبح بعض ألفاظه غريبة على الأجيال اللاحقة. ومع ذلك فإن مقارنة سريعة لِلُغَتِه بلغة الشعر الجاهلي تثبت في الحال أن ما فيه من ألفاظ صارت بمرور الأيام غريبة بعض الشيء ليس شيئاً بالقياس إلى ذلك الشعر. إن هذا الجاهل لا يفقه أن اللغة في مسيرتها مع الزمن تعتريها تطورات وتغييرات كثيرة، ومع هذا فإن ألفاظ القرآن من أقل الألفاظ تعرضاً لمثل هذه التغييرات. وما أسهل، على من يعرف أسباب نزول الآيات، أن يفهم النص القرآني رغم ما فيه في كثير من الأحيان من إيجاز وتكثيف.
وإنني بدوري أسأله: لم يحتاج كتابكم المقدس كل فترة إلى أن يُتَرْجَم من جديد؟ أليس أحد الأسباب الرئيسية في ذلك أن لغة الترجمات القديمة تفقد مع السنين بعض ما كانت تتمتع به من وضوح؟ ورغم هذا فإن في ذلك الكتاب ألفاظاً لا يمكن فهمها دون الرجوع إلى المعاجم منها على سبيل المثال: "جَلَد السماء،

(1/94)


والكِنّارة، والحُمَر، والجَوْزَل، والجُذَامة، والعُمِر، والإيفة، واليَفَاع، والشًظاظ، والعُصَافة، والظًرّان، والصًباء، والزُّوان، والعِضاه، والقُنْدُول، والقِنَّة، والسْمَنْجُونى، والحُرُض، والرُّعَل، والسًرافون، والشُّونير، والقَطَانيّ، والهّذيذ، والوَغْر، والخَراعِب، والوَنَج، والسنًنْطيؤ، والأَفُود، والأَنُوق، والزُّمَّج، والوَرَل، والحِرْذَوْن، والبَلَسان" ... إلخ ... إلخ إن كان لذلك من آخر!
أما الركاكة والتواء العبارة والعجز عن التعبير الواضح السلس في "أعمال الرسل ورسائلهم ورؤيا القديس يوحنا" مثلاً فأمر يهون إلى جانبه ذَنَب الضًبّ الذي تُضْرَب به الأمثال في القبح والتعقيد. وهناك أيضاً مواضع في الكتاب المقدس تبلغ من الإبهام حداً يجعل الشراح يخبطون رؤوسهم في الحائط بسبب عجزهم عن فهم المراد منها مثلما هو الحال في الفصل الثامن عشر من "نبوءة أشعيا"، الذي يقول عنه شُرّاح الترجمة الكاثوليكية إنه "في غاية الإبهام والخفاء كما صرّح بذلك جميع المفسرين من المتقدمين والمتأخرين".
وإلى القارئ الآن بعض أمثلة من ركاكة الأسلوب أخذناها

(1/95)


كيفما اتفق، وهي من رسالة بولس إلى أهل روما: "لأن غير منظوراته (أي غير منظورات الله) قد أًبْصِرَتْ منذ خَلْق العالم إذ أَدْرِكَتْ بالمبروءات"، "فلذلك أسلمهم الله في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لفضيحة أجسادهم في ذواتهم"، "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الفضيحة، فإن إناثهم غَيًرْن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة"، "ويكون القَلِف الذي بالطبيعة وهو يِتُمَ الناموي يدينك أنت الذي بالحرف والختان تتعدّى الناموس"، "ونحن نعلم أن كل ما يقوله الناموس يقوله لأصحاب الناموس لكي يسدّ كل فم ويصبح العالم كله مجرماً لدى الله، إذ لا يُبَرًر بأعمال الناموس أحد من ذوي الجسد أمامه لأنها بالناموس عُرِلإت الخطيئة. أما الآن فقد اعْتَلَنَ برَ الله بغير الناموس مشهوداً له من الناموس والأنبياء، وهو برَ الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كُلَّ وعلى كُلَّ من الذين يؤمنون لأنه لا فرق، إذ الجميع قد خَطِئوا فيعوزهم مجد الله فيُبَرَّرون مجاناً بنعمته بالفداء الذي هو بالمسيح يسوع"، "طوبى للرجل الذي لم يحسب عليه الربّ خطيئة. أَفَلِلْخِتان فقط هذه الطوبى أم للقَلَف أيضاً؟ فإننا نقول إن الإيمان حُسِبَ لإبراهيم بِراً، فكيف حُسِب؟ أإذا كان في الختان أن إذا كان في القَلَف؟ إنه لم يمكن حينئذ في

(1/96)


الختان بل في القَلَف. وقد أخذ سمة الختان خاتماً لبرّ الإيمان الذي كان في القَلَف ليكون أباً لجميع الذين يؤمنون وهم في القلف لِيُحْسَب لهم أيضاً البِرّ" ... إلخ ... إلخ. أفيجوز لخريج هذه المدرسة الأسلوبية أن يتشامخ على أسلوب القرآن؟ بُعْداً له وليوم أقدم فيه على تلك الجريمة!

(1/97)


الفصل الثاني
(شبهات خاصة بالمضمون)

(1/98)


شبهات خاصة بالمضمون
وبعد أن انتهينا من الاعتراضات اللغوية وبدا أنْ ليس للعبد الفتاضي عينان في رأسه ولا عقل أيضاً نتحول إلى اعتراضاته الخاصة بالمضمون. ولأن هذه الاعتراضات كثيرة ومتنوعة، وبعضها مما لا يمكن أن نصل فيه إلى شيء بسبب تعلقه بأمور مستقبلية أخبر القرآن أنها ستقع في آخر الزمان مما لا مدخل فيه للأخذ والردّ لأنه لم يحدث بعد، فلسوف أكتفي باختيار عدد كاف من هذه الاعتراضات لمناقشتها، مستصحباً معي المسامحة الشديدة التي اصطحبتها في المناقشات اللغوية. ولسوف يرى القارئ الكريم، رغم ذلك، أن الأسداد قد ضُرِبَتْ على ذلك التعيس الذي يذكًرنا بصرصور ينطح جبلاً أشمّ بغية زحزحته عن موضعه!
وها نحن أولاء نتوكل على الله ونجعل مفتتح كلامنا ما قاله الثقيل الظل الوخيم الفهم عن نوح عليه السلام. قال، فضَّ الله فاه، ولعنه لعنةً منتقاة: "جاء في سورة "نوح"/24: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} ، فكيف يدعو نوح ربه أن يزيد الناس ضلالا؟ كما أن الله ليس مصدر الصلال. ونوح نفسه لا يحب الضلال، فالتاريخ المقدس يشهد له: "كان نوح رجلاً باراً كاملاً في أجياله"

(1/101)


(تكوين/ 6/ 9) وإنه "كان كارزا للبِرّ" (2 بطرس/ 2/ 5) " (ص 31) .
هذا ما قاله الشقي ساعياً إلى حتفه بظلفه، إذ قد أعطانا بذلك فرصة طيبة لنعرض على القراء الأفاضل شيئاً من الأفاكيه التي سطّرها مؤلف سِفْر "التكوين" على أنها وحي إلهي، مع أنها لا تزيد عن كونها خرافات تصلح لسَمَر البدائيين على ضوء القمر في قلب الغابة. وبعد أن نعرض بعضاً من هذه الأفاكيه والأفاويه نُثَنّى فنكّر على سخافات صويحبنا ونكسحها كسحاً. والآن إلى هذه المقتطفات من سفر "التكوين"، وهي من الفصول التي تسبق ذِكْر نوح فقط:
1- "وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة، ومن ثم ينشعب فيصير أربعة أرؤس: اسم أحدها فيشون، وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب. وذَهَبُ تلك الأرض جيد. هناك المُقْل وحجر الجَزْع. واسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع أرض الجنة. واسم النهر الثالث حِدّاقل، وهو الجاري في شرقىّ أشور. والنهر الرابع هو الفرات: (1/10 - 14) . أرأيت أيها القارئ العزيز هذه الدُّرر الجغرافية والجيولوجية الحلمنتيشية التي يتقاصر دونها كل ما في كُتُب علماء الجغرافيا والجيولوجيا؟

(1/102)


2- "فسمعا (أي آدم وحواء) صوت الإله وهو مُتَمَشَّ في الجنة عند نسيم النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين شجر الجنة، فنادى الربُّ الإله آدمَ وقال له: أين أنت؟ قال: إني سمعت صوتك في الجنة قخشيت لأني عريان فاختبأت" (3/8 - 10) . ترى هذا إله أم عمدة من عُمَد الريف خرج لتفقد حقوله بعد غفوة القيلولة وهبوب نسمة العصاري؟ ثم أي إله هذا الذي يختبئ منه عباده فلا يستطيع أن يعرف أين اختبأوا فيضطر إلى رفع صوته يسألهم أين يختبئون؟
3- "قال الرب لقاين (بعد أن قتل أخاه هابيل) : أين هابيل أخوك؟ قال: لا أعلم. اْلعلّى حارس لأخى؟ " (4/9) . فانظر إلى قلة الأدب والجلافة الموجودة في هذا الكلام الموجّه إلى الله! إنها الوقاحة اليهودية الفاجرة!
4- "ولما ابتدأ الناس يكثرون على وجه الأرض ووِلُد لهم بنات رأي بنو الله بنات الناس إنهن حسنات فاتخذوا لهم نساءً من جميع من اختاروا، فقال الرب: لا تحلّ روحي على الإنسان أبداً لأنه جسد، وتكون أيامه مائة وعشرين سنة. وكان على الأرض جبابرة في تلك الأيام وأيضاً بعد أن دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم

(1/103)


أولاداً. أولئك هم الجبابرة المذكورون منذ الدهر. ورأي الربّ أن شر الناس قد كثر على الأرض وأن كل تصور أفكار قلوبهم إنما هو شرّ في جميع الأيام، فندم الرب إنه عَمِلَ الإنسانَ على الأرض وأسِفَ في قلبه، فقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلَقْتُ عن وجه الأرض: الإنسان مع البهائم والدبابات وطير السماء لأني ندمت على خلقي لهم" (6/1 - 7) . هل سمع أحد من عقلاء البشر أو حتى مجانينه أن لله أولاداً؟ ومن أُمُّهم يا ترى؟ ثم عندما ذهب أولاد الله ليخطبوا بنات الناس، هل أخذوه معهم ليفاتح آباءهن ويتفق معهم على الشبكة والمهر والشقة والأثاث؟ ثم أي إلهٍ هذا الذي يأسف ويندم على ما فعل؟ هذا ليس هو الله رب العالمين بل إله من آلهة الوثنيين البدائيين بلغ من غضبه وندمه أنْ تشوًش عقله فلم يعد يستطيع أن يقُوم بأنفه العمليات الحسابية، فمرةً يقول لنوح: خذ من كل كائن حيَّ اثنين اثنين ذكر وأنثى، ثم ينسى ما قاله بعد قليل فيجعل العدد من الحيوانات الطاهرة ومن طير السماء سبعةً سبعةً ذكوراَ وإناثاً، ليعود مرة أخرى إلى عَدَد الاثنين. ولقد مرّ في النص السابق أنه كان هناك جبابرة كثيرون قبل الطوفان: قبل أن يتخذ أبناء الله بنات

(1/104)


الناس، وأيضاً بعد أن اتخذوهن لهم نساء، إلا أن كاتب هذا السفر، كعادة مؤلفي الكتاب المقدس، قد نسى هذا فقال عن نمرود (حفيد ابن نوح، الذي وِلُد بعد الطوفان بزمن طويل) إنه "أول جبار في الأرض". وحتى نمرود هذا لا ندري بالضبط من أبوه: فمرة يذكر الكاتب أبناء كوش بن حام بن نوح فلا يورد بينهم اسم نمرود، لنفاجأ به بعد أقل من سطر يقول: "وكوش وَلَدَ نمرود".
وبعد هذه التفكهة نرجع إلى ما قاله الشقيُّ عدوّ نفسه، إذ يستغرب دعوة نوح ربَّه أن يزيد الناس ضلالا. ونحب أولاً أن نوضح أن نوحاً لم يَدْعُ على الناس بإطلاق بل على الظالمين فحسب، لكن الأعمى البصر والبصيرة لا يدرك هذا. ثم إن نوحاً، في كتابهم المقدس، قد دعا على حفيده كنعان ولَعَنه لا لشيء إلا لأنه هو قد شرب خمراً حتى سَكِر وانطرح على الأرض وتكشفت سوأته فرآه ابنه حام (أبو كنعان) على ذلك الوضع، فلما أفاق نوح وعلم بما حدث انطلق في نوبة مسعورة يلعن كنعان ويدعو عليه بأن يجعله الله عبداً

(1/105)


لعبيد إخوته، مع إنه لا ذنب لحام فضلاً عن كنعان المسكين الذي لا ناقة له في المسألأة ولا جمل، ولكن يبدو أن السكّير لم يكن قد أفاق تماماً من الخمر فلم يكن يدري ماذا يقول ولا ماذا يفعل، ولا على من يدعو ولا من يلعن. أَوَمثْل هذا اللعْان للأبرياء يستبعد العبد الفاضي أن يدعو على الظالمين من قومه؟ أهكذا يخرجك حقدك يا عبد الفاضي على سيد الأنبياء عن كل عقل وفهم؟
ثم إن الذي يسمع ذلك العبد الفاضي وهو يقول إن "الله ليس مصدر الضلال" سيتساءل على الفور: فكيف تؤمنون إذن بما يقوله كتابكم المقدس عن الرب الذي ندم على خلق البشر وعزم على استئصالهم؟ ولماذا لم يفكر في هدايتهم بدل هذا القرار الاستئصالي الذي لن يأتي رغم ذلك بالنتيجة المرجوة لأن البشر لن يتغيروا؟ والمضحك في الأمر أن الرب، الذي يعرف هذا جيداً، قد أخذ احتياطه (حسب كلام الكتاب المقدس نفسه) حتى لا ينسى مرة أخرى في غمرة ندمة على خَلْق البشر فيُغْرقهم بالطوفان كما

(1/106)


فعل من قبل، إذ لجأ إلى وسيلة تذكّره إذا سها، ألا وهي إنه عند سقوط المطر يَظْهَر قوس قزح، فإذا رآه تنّبه فلم يرسل عليهم الطوفان.
ومادام العبد الفاضي قد فهم أن الله ليس مصدر الضلال، فَبِمَ يا ترى يفسّر غيره هذا الرب ذاته من آدم لمعرفته الخير والشر مثله كما جاء في الكتاب المقدس، فأخرجه لذلك من الجنة إلى الأرض وما فيها من تعبٍ وهمً؟ وما السر يا ترى في حقد ذلك الرب على البشر حين رآهم شعباً واحداً ذا لغة واحدة فبلبل السنتهم وشتّت شملهم وبدّدهم في الأرض تبديداً؟ وإذا كان نوح، كما يقول العبد الفاضي، باراًَ كاملاً في أجياله، فكيف ياترى كان يسكر على النحو الذي رأيناه ويلعن حفيده ويدعو عليه بالعبودية دون ذنب جناه ذلك الحفيد المسكين؟ من هنا فإننا لاندري لأي سبب "نال نوح حظوة في عينى الرب". إن سفر "التموين" لا يذكر لنا شيئاً يستحق أن ينال لأجله الحظوة الإلهية دون سائر البرية! ولقد لعن

(1/107)


المسيحُ نفسُه شجرةَ تين حسبما هو مكتوب في الأناجيل لا لشيء سوى إنه لم يجد فيها تيناً لأن الموسم لم يكن موسم تين. فما وجه الغرابة إذن أن يدعو نوح على الظالمين من قومه بأن يزيدهم الله ضلالاً، أي بألا يعطيهم سبحانه فرصة أخرى بعد أن استنفذوا كل الفرض على مدى مئات السنين التي ظل يدعوهم فيها إلى الله عبثاً فأصرّوا على ما هم فيه من ضلال؟ ما وجه الغرابة في هذا أيها التعيس؟
* * *
ويستنكر الشقيُّ أن يكون إسماعيل عليه السلام رسولاً نبياً طبقاًَ لما جاء في سورة "مريم" /54، قائلاً: "كيف يكون إسماعيل نبياً، والتوراة تصفه في "تكوين"/ 16/12: "وإنه يكون إنساناً وحشياً: يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه"؟ " (ص 40) . وإننا لنسأل: وهل في هذا النص أن الله حَرَمَه من النبوة؟ وهذا إن صدّقنا إنه نص صحيح، وهو ما لا يدخل عقولنا أبداً. كيف ذلك؟ تعالوا لنتفحص النص عن قرب ونجول جولة في بعض أسفار الكتاب المقدس لنرى مدى منطقية ما يقول.
وأول شيء يستلزم أن نقف حياله هو أن هذه العبارة التي استشهد

(1/108)


بها ذلك التعيس هي جزء من بشارة ملاك الرب لهاجر أم إسماعيل (عليها وعلى ابنها السلام رغم أنف الحقَدة من بني إسرائيل ومن يشايعونهم في هذا الحقد عليهما) ، وذلك حين هربت من المعاملة المذلّة التي كانت تعاملها بها سارة عليها السلام حسبما يقول كاتب سفر "التكوين". وهذه هي بشارة الملاك كاملة: "لأُكَثًرنً نسلك تكثيراً حتى لا يُحْصَر لكثرته. وقال لها ملاك الرب: هأنت حامل، وستلدين ابناً وتسمينه إسماعيل لأن الرب قد سمع صوت شقائك، ويكون رجلاً وحشياً: يده على الكل، ويد الكل عليه، وأمام جميع إخوته يسكن". واستحلفك أيها القارئ الكريم: أهذه بشارة أم مثلاً بقصرٍ فخم لن يجد فيه راحة أبداً بل ستكون أيامه فيه كلها شقاءً ونكداً، أو أن يقول له: إني واهِبُك يا عبدي ثروة هائلة تنفقها إن شاء الله على أمراضك وأمراض أولادك المستعصية؟ بالله أهذه بُشْرَى؟ إنها لإنذار بالهمّ والغمّ والشقاء! والمضحك أن هاجر، كما جاء في الآية التي بعد ذلك، تبتلع في سذاجة مطلقة لا تُحْسَد عليها هذا الكلام الذي لا يدخل العقل وتعُدَه مكرمة عظيمة!

(1/109)


أما الأمر الثاني فهو أن الكتاب المقدس لا يذكر شيئاً من هذا التوحش الذي دمغ به إسماعيلَ ملفَّقُ الكلام السابق، بل على العكس نرى يعقوب بن إسحاق يذهب فيتزوج مَحْلةَ بنت إسماعيل بدلاً من بنت خاله التي أمره أبوه باتخاذها امرأة له. فأين التوحش هنا؟ وواضح أن يعقوب كان يعرف أنه لا تصلح له بنت أخى أمه، تلك الأم التي أضرمت بينه وبين أخيه عيسو نار الكراهية والتقاتل حسبما جاء في العهد العتيق فابتعد عن كل ما له صلة بأمه وأخذ بنت عمَّه الرجلِ النبيلِ الذي افترى عليه الزورَ ملفقُ سفر "التكوين" الكذابُ الأَشِر.
لكن ما الذي فعلته رفقة زوجة إسحاق فأضرمت به نار الكراهية والإنشقاق والتقاتل بين ولديها؟ لقد أراد زوجُها الشيبخُ الكليلُ البصر أن يبارك ابَنها البِكْرَ عيسو، لكنها تسارع فتخبر يعقوب بما ينويه أبوه، وتطلب منه أن يهيءّ أبيه طعاماً قبل أن يعود أخوه من رحلة الصيد بالطعام الذي اشتهاه أبوه، وأن يلبس ملابس أخيه ويغطي يديه وعنقه بفروة معز لأنه كان أملط على عكس عيسو الأشعر. وتدخل الحيلة الساذجة مع الطعام الجيد والخمر المعتقة عقل إسحاق، وينال

(1/110)


يعقوب البركة بالتزوير. وعند رجوع عيسو من الصيد وعلْمه بما وقع يخبر أباه بما حدث فيكون ردّه إنه لا يستطيع له شيئاً لأن البركة قد أخذها أخوه، وما انكسر لا يمكن إصلاحه، ولا أدري لماذا، فالمفروض أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، بَيْدَ إنه كان لنبي الله يعقوب رأي آخر. ولكن فَلْنُعِدّ عن هذه أيضاً، وإلا فلن ننتهي، فكل العهد العتيق هكذا، فإذا ذهبنا نرقّعه تَمَزَّق في أيدينا! اللهم أن البغض والحقد والتناحر قد طبع منذ ذلك الحين العلاقة بين الأخوين بطاعبه الخبيث، والبركُة في الأم، التي يجعلها أهل الكتاب نبيه من أبيائهم، وكأن الحِنْث والشر والكذب والإجرام والخداع والتلفيق هي مؤهلات النبوة عندهم. أرأيتم، أيها القراء الأعزاء، في أي معسكر يُوجَد التوحش: في إسماعيل عليه السلام وذريته أم في المعسكر المقابل؟
على أن هذا لم يكن التزييف الأول في حق إسماعيل، فقد سبق أنْ كَذَبَ العهدُ العتيقُ عليه وتجاهله في مسأله الذبح كأنه لم

(1/111)


يكن له وجود البتة أو كأنه على الأقل لم يكن قد وِلُد بعد. وتفصيل الأمر أن إسماعيل، كما هو معروف وكما جاء في الكتاب المقدس نفسه، قد وِلُد قبل إسحاق بعدة أعوام، ومع ذلك يقول ملفق سفر "التكوي"، الذي يتنفس الكذب تنفّساً ويتمتع بوجه وقح فلا يطرف له جفن، وهو يقترف الكذب جهاراً نهاراً وعلى مرأى ومسمع من العالمين، هذا الملفق الكذاب يقول إن الله أراد أن يمتحن إيمان إبراهيم فقال له: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق وامض إلى أرض موريّة وأًصْعِدْه هناك مُحْرَقةً على أحد الجبال الذي أُريك ... ".
أيعقل أن يقول الله عن غسحاق إنه ولد إبراهيم الوحيد؟ فماذا إسماعيل إذن؟ ألعلّه كان ابن الجيران؟ أم ترى نسى الله سبحانه أنه كان قد وهب لإبراهيم قبل عدة أعوام ابناً اسمه إسماعيل؟ لكن لماذا؟ أيمكن أن يكون هذا هو الله رب العالمين الذي نعرفه أم هو إله من آلهة الوثنيين البدائيين؟ ثم يأتي في آخر الزمان صويحبنا الجاهل ويتحدانا بمثل هذه السخافات! عجبتُ لك يا زمن!
ولأن الطبع غلاب فإن يعقوب عاد بعد هذا فصاهر خاله لابان عابد الأصنام ... ولكن يحسن أن نورد القصة كاملة أولاً حتى ينبيّن

(1/112)


للقارئ أن فوق كل ذي مكر من هو أمكر منه. لقد شاهد يعقوبُ أثناء ترحاله إلى الشرق بنتَ خاله راحيل وهي تسوق غنهما إلى البئر، وكانت راحيل جميلة، فأخذت بلبّه، وجاء أبوها فعانقه وقبّله وأخذه إلى بيته حيث مكث عنده سبع سنين خدمه فيها لقاء التزوج بحبيبة قلبه. بَيْدَ إنه في صباحيّة دخوله بها في آخر السنوات السبع فوجئ بأن خاله قد زوّجه بدلاً منها ليئة أختّها العاطلة من الجمال. أي إنه أعطاه "مَقْلباً سُخْنا"، ومن شابه أخته فما ظلم! ورغم ذلك يصف مؤلفُ سفر "التكوين" إسماعيل بالتةحش والنفور من الخَلُق ويفور الخَلْق منه! وثمة نقطة أخرى في القصة تدل على سذاجة هذا الملفّق الذي يكذب ولا يعرف كيف يسوَّى كذبه كما يقول أهل الريف، إذ يذكر أن يعقوب لم يتبيّن الخدعة إلا في الصباح. أي إنه قضى الليل كله في أحضان ليئة وهو يظنها راحيل! ترى ألم يكن هناك نور في تلك الليلية البتّة؟ وحتى لو لم يكن هناك نور، أكانا يمارسان الجنس في فلم من أفلام السينما الصامتة فلم يتعرف يعقوب على عروسه من صوتها؟ أنظر أنت أيها القارئ وتعجَّبْ، أما أنا فسأسكت! ثم يقولون بعد ذلك كله إن هذا وحي إلهي!

(1/113)


ولكن هل هذا هو كل شيء؟ كلاً، فما زلنا في أول فصول المسرحية الهزْلية، وإن كنت لا أنوي أن أحكي كل فصولها بل سأجترئ ببعضها، وبمكنة القارئ أن يقيس ما لم أحْكِه على ما حكيتُه. وها نحن أولاء الآن مع أولاء يعقوب، الذين مزقتهم الأحقاد بسبب المعاملة المتحيزة التي كان أبوهم يميز بها بعضهم على بعض. ومعروفة قصة يوسف وتآمر إخوته عليه مما حكاه العهد العتيق والقرآن الكريم جميعاً، وهو تآمر بشع يدل على المدى الوحشي الرهيب الذي بلغه الإنشقاق بين أولاد يعقوب. ثم لا يستحي ملفّق سفر "التكوين" فيرمى إسماعيل عليه السلام بالوحشية والنفور رغم كرمه ونبل طبعن وأخلاقه! إلا أن فضائح بيت بعقوب طبقاَ لرواية العهد العتيق لم تنته بعد، فقد وقعت دينة بنت يعقوب في غرام شكيم بن حَموُر الوثني الأقلف ومارست معه الفاحشة، كما زنى أخوها يهوذا بثامار أرملة ابنه عير وهو يحسب أنها بغيَ، إذ كانت أخذت زينتها وهَيأت نفسها له وترصدته حتى أوقعت به وهي متنقبة. ومن بجاحته إنه، عندما أنها قد اشتغلت بغياً، أمر بإخراجها

(1/114)


لتُحْرَق جزاء ممارستها للبغاء، لكنْ ما إِنْ عرَّفته أنما مارست معه الزنا لا مع غيره حتى خَرِسَ وأكفأ على الخبر ماجورا، وعفا الله عما سلف!
ولا يقلّ رءوبين أخوه عنه في الفحش والفجور إن لم يَفُقْه، فقد اعتدى على عِرْض أبيه فضاجع سُرَّيَته. ولعلك، أيها القارئ العزيز، تظن أن الأب قد ثار على هذا الفجور وأدَّب الزِانَييْن بما يستحقان، لكن أرجوك ألا تكون حسن النية إلى هذا الحدّ لأن كتابهم المقدس يقول شيئاً آخر، فها هو ذا يعقوب يدعو أولاده في آخر عمره ليكلمهم في بعض الأمور المهمة، فيكون أول كلامه أن خاطب رءوبين قائلاً: "رءوبين، أنت بِكْرِى، قوّتى، وأول قدرتى. فاضلٌ في الشرف، فاضلٌ في العزّ. فُزْتَ كالماء. لا تَفْضُل لأنك عَلَوْتَ مضجع أبيك. حينئذ دنَّستْهَ. على فراشي صِعَد". وواضحّ رنّة الفجر برءوبين في كلام أبيه، إذ يصفه بأنه "فاضلٌ في الشرف، فاضلٌ في العزّ" وبأنه "أول قدرتى". أما الجملتان الأخيرتان اللتان يلمح فيهما إلى زنا ابنه بُسًرًيته فهما كالنغمة الناشزة بين سائر أنغام

(1/115)


اللحن الأخرى المتناسقة. وعلى أية حال فهما كل ما هنالك من رد فعل على هذه الفاحشة النكراء! حقاً إنها عائلة شريفة!
ومن هذا الوادي المنتن أيضاً ما عزاه الكتاب المقدس إلى داود عليه السلام من التجسس من فوق قصره على زوجة قائده الحربي أورياً وهي تستحم عارية في فناء بيتها المكشوف (على طريقة مشاهد "الإستريتيز:
striptease") ، ثم استدعائها إلى القصر والزنا بها، ثم قضائه على زوجها بمؤامرة إجرامية خسيسة، ثم تعزيته لها فيه (فهو يقتل القتيل ويمشي في جنازته!) ، ثم تزوُّجه بها وإنجابه سليمان منها. أي أن سليمان عليه السلام عندهم هو ابن هذه الزانية! الله أكبر! فلا عجب إذن أن يَنْظِم من كان ابناً لمثل هذه المرأة نشيد العُهْر المسمَّمى "نشيد الأناشيد". وكانت نتيجة فًعْلة داود مع امرأة قائده أن سَخط الله عليه وتهدده قائلاً: "والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد ... إني مثيرً عليك الشرّ من بيتك، وسأخذك أزواجك وأدفعهن إلى غيرك فيدخل على أزواجك في عين هذه الشمس". وتستمر مخازى هذه العائلة المحترمة حسبما سطَّر ملفّقو الكتاب المقدس، فهذا هو أمون بن داود يقترف زنى المحارم مع أخته الجميلة

(1/116)


تامار، ولم يفاتحه أبوه بكلمة حرصاً على ألا يؤلمه لأنه كان يحبه. أََنْعِمْ وأَكْرِمَ! ورغم ذلك كله يشمخ العبد الفاضي على إسماعيل عليه السلام قائلاً إنه لا يصلح للنبوة. هل رأيتم وقاحة من قبل كهذه الوقاحة؟
ولْنَعُدْ إلى نبوءات يعقوب الخاصة بمستقبل أولاده الآحرين حيث نقرأ: "شمعون ولاوى أخوان. سيوفهما آلت جَوْر. مجلسهما لا تدخله نفسى، وفي مجمعهما لا تتّحد ذاتي. في سخطهما قَتَلا إنساناً، وفي رضاهما عَرْقَبَا ثورا. ملعونّ سخطهما فإنه شديد، وغضبهما فإنه قاسٍ. أقسّمهما في يعقوب، وأبدّدهما في إسرائيل. يهوذا، إياك يحمدك إخوتك. يَدُك على قُذُلِ أعدائك. يسجد لك بنو أبيك ... يكون دانُ ثعبانأً على الطريق وأفعواناً على السبيل، يلسع رُسغ الفرس فيسقط الراكب إلى الوراء ... جادُ يَقْحَمه الغزاة، وهو يقحم ساقتهم ... يوسف ... قامَرَتْه أصحاب السهام ورَمَتْه فاضطهدتْه ... بنيامين ذئب يفترس. بالغداة يأكل غنيمة، وبالعشىّ يقسم السَّلَب".

(1/117)


ثم إن بني إسرائيل كانوا على امتداد تاريخهم الطويل ولا يزالون يبغضون الأمم الأخرى وتبغضهم الأمم الأخرى حتى ضُرِب المثل بـ "الجيتو" و"حارة اليهود" حيث يعيشون في عزلة عن سائر أهل البلاد التي ينزلونها. وأسفار العهد العتيق تضطرم باللعنات والنبوءات القاتمة الي تنتظر ذلم الشعب الصُّلْب الرقبة، وهو دائماً وأبدا محطّ سخط وشتائمة ورزاياه. لنستمع معاً إلى أَشَعْيَا على سبيل المثال وهو يصرخ في غضب ويأس من صلاح حال أولئك الأوغاد: "السّيد (أي الربّ) أرسل كلمةً على يعقوب فوقعتْ على إسرائيل، وسيعلم الشعب كله ... سيُنْهِض الربّ عليه أضداد رَصِينَ ويسلّح أعداءه: أرام من الشرق، وفلسطين من الغرب، فيأكلون إسرائيل بكل أفواهم ... سيقطع الرب من إسرائيل الرأس والذَّنب ... بغضب رب الجنود تضطرم الأرض فيكون الشعب مثل وقود النار، لا يشفق واحد على أخيه ... يأكلون كلُّ واحد لحم ذراعه: منَسَّى أفرائيم، وأفرائيم منَسَّى، وكلاهما يقومان على يهوذا. ومع هذا كله لم يرتدً غضبه، ولم تزل يده ممدودة".
والآن يثور سؤال: من الوحشيون يا ترى: إسماعيل وذريته أم

(1/118)


إسحاق، وهؤلاء هم أولاده وأحفاده كما يعرضهم الكتاب المقدس: خَناً وغشَّ وكذبٌ وقتل وتآمر خسيس وزنا بالمحارم وحقد وقتال فيما بينهم ومع الآخرين؟ ولقد انتهى أمر السيد المسيح مع بني إسرائيل إلى أن أدار ظهره لهم بعدما لقى منهم الأمرًّين وأعطى وجهه للأمم الأخرى وطلب من تلامذته أن يحملوا دعوته إليهم طبقاً لما تقوله الأناجيل ذاتها. أَفَلَكَ بعد ذلك أيها الأحمق عينٌ تجرؤ على مواجهتنا بها؟
* * *
وبالنسبة لما جاء في القرآن الكريم عن امرأة العزيز ودعوتها من يَلُكْنَ سيرتها من نسوة المدينة إلى مُتَّكإ في بيتها واعترافها أمامهن بأنها مشغوفة بيوسف ... إلخ يتساءل الأحمق مستنكراً: "هل يُعْقَل أن زوجة ضابط كبير تهيئ وليمة خصيصاً وتدعو سيدات أشراف المدينة لتعلن أمامهن غرامها بعبدها وتكشف عن وجهها برقع الحياء دون أن تخشى فضيحة؟ وكيف يُعْقَل أن النسوة ينشغلن بجمال يوسف حتى ليقطّعن أيديهن بالسكاكين من غير إحساس من شدة الذهول؟ " (ص 41) .
وأحسب أن القراء الكرام، بعد فضائح الكتاب المقدس التي

(1/119)


ذكرتُها لهم، يستطيعون أن يدركوا إلى أي مدّى بلغ جمود وجه هذا الأحمق الذي يتظاهر بطيبة الطوية ويستغرب أن يصل التدلة بامرأة ضابط كبير إلى ذلك الحدّ. يا أخا الحماقة، إن الترف الإجرلامي ليؤدي إلى هذا وإلى ما هو أشنع من هذا كما يعرف كل الناس. وماذا يُنْتَظَر من امرأة كانت تطارد ابنها بالتبني على النحو وتقول له بصريح العبارة كما جاء في كتابكم المقدس: "ضاجِعْني" (هكذا بالحرف الواحد) ؟ ثم إن زوجها، طبقاً لما جاء في كتابكم، كان خصياً، أي إنها كانت تعاني من الحرمان الجنسي المطلق. كما أن أولئك النسوة قد فَضَحْنَها في كل مكان بالمدينة فلم يعد هناك معنى لاحتفاظها ببرقع الحياء، إذ وقعت الواقعة وانتهى الأمر.
ولقد تابع العاَلم منذ سنوات غير بعيدة الأمير تشارلز وليّ عهد بريطانيا وزوجته الأميرة ديانا، وكلاهما يعترف في المرناء أمام مئات الملايين في أرجاء الكرة الأرضية بالقاءات الجنسية التي مارسها في

(1/120)


الحرام من وراء رفيقه. وقبل ذلك بسنوات كان التلفاز مشغولاً في نشراته لفترة طويلة بعشق الأميرة آن (أخت تشارلز) للضابط مارك فيليس وبعشق خالته الأميرة مرجريت لأحد المصوَّرين. وقل مثل ذلك في زوجتَىْ أخويه. كذلك فالأحمق يعرف جيداً ما كان يفعله بعض بابوات روما في العصور الوسطى، إذ يصطحب الواحد منهم عشيقته معه وهو يدور على رعاياه في جولاته "المقدسة" (المقدسة جداً) بوصفه خليفة المسيح على الأرض (ومعروف ما يمثله المسيح عليه السلام عند النصارى) ، فضلاً عن أن بعضهم الآخر كان يمارس الزنا مع أخته بعلم من حوله على أقل تقدير!
وفي الكتاب المقدس نفسه نجد مثلاً ابنَتْى لوط تتفقان دون خجل أو حياء على أن تسقيا أباهما خمراً حتى يفقد الوعي ثم تضاجعاه الواحدة بعد الأخرى لتَحْبلا منه. ولا ننس داود، الذي رأيناه، بعد أن شاهد بتْشَبَع زوجة أورياً قائده من فوق سطح القصر، يرسل من يُحْضِرها إليه ويُدْخِلها عليه. ومعنى ذلك أنه، وهذا كلام الكتاب المقدس لا كلامي، لم يستح من إعلان عشقه لها أمام رجال حاشيته على الأقل. ثم إنها، بعد أن حملت منه، قد أرسلت إليه من ينبئه بالأمر. ومعنى ذلك أيضاً أنها لم تخجل من أن تعلن أمام من أرسلتهم إليه إنها زنت معه وحملت منه. ثم إنه قد اتفق مع

(1/121)


بعض رجاله أن يخلّصوه من أوربا زوجها حتى يخْلُص له وجه بَتْشَيَع ومعنى ذلك ثالثاً إنه لم يخجل من إبداء تدلهه في هواها وما استتبعه هذا التدله من القضاء على الزوج المسكين. أفِقْ يا عبد الفاضي من أوهامك السخيفة، ولا تحاول أن تقترب من القرآن لأنه {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} !
أما مسألة تقطيع النسوة أيديهن، فما الغريب في أن تجرّح نَفْسَها، بسكين حاد في يدها تقطع بع الفاكهة، امرأٌة مترفٌة نَزِقةٌ طائشةُ عندما يخرج عليها فجأةً شاب باهر الوسامة قد أصبح حديث المدينة بسبب وَلَهِ امرأة العزيز بهيليها وهيلمانها به؟ وفي كثير من القصص والأفلام الواقعية من صنوف هذا الوله المجنون ما لا يُعَدّ

(1/122)


الذي فعلتْه صواحب يوسف بجانبه شيئاً يستحق الذكر.
وقد فعلت الفتيات في مصر ما هو أبشع من هذا عندما مات أحد المطربين العاطفيين منذ نحو ربع قرن، ولم يكن يتمتع بشيء من جمال يوسف الذي ضُرِبت به الأمثال، ومع ذلك انتحر بعضهن من شدة غرامهن به! إن الحياة مملوءة بالغرائب، وإن النفس البشرية لتفاجئنا كل يوم بما لا يخطر على البال، فلماذا الإعتراض على القرآن الكريم في تجريخ النسوة المشنَّعات علر امرأة العزيز أيديهن بالسكاكين انبهاراً بجمال يوسف"؟
ويقول الببغاء الأحمق أيضاً: "جاء في سورة القصص"/8، 38: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} ، {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} ، وجاء في سورة "غافر"/36: {قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} . يقول القرآن إن هامان كان وزير فرعون، بينما يثبت التاريخ أن هامان كان وزيراً لأَحْشَوِيرش وأن بين فرعون وهامان زهاء ألف سنة. ثم إن فرعون كان ملك مصر، وكان هامان وزيراً في بابل، وما أبعد الزمان والمكان بين فرعون وهامان!

(1/123)


فكيف يكون هذا وزيراً لذام؟ ويقول سِفْر "أستير" في التوراة إن هامان كان وزيراً وخليللاً لأَحْشَوِيرش ملك الفُرْس الذي يدعوه اليونان زركيس" (ص 29) .
وقبل أن نبدأ في تفنيد هذا السخف أوجّه نظر القراء الكرام إلى جهل العبد الفاضي حتى فيما لا يمكن الخطأ فيه إلا مِن كائنٍ فقد عقله تمام الفقدان: فأولاً لم يقل القرآن في أي موضع منه إن هامان كان وزيراً لفرعون. وهاهي ذي كل النصوص الذي ذُكِر فيها هامان في الكتاب المجيد قد أوردها صويحبنا، فهل ترى فيها، أيها القارئ العزيز، أنه كان وزيراً لفرعون؟ لقد ذُكر اسمه مع فرعون، وأمره فرعون أن يبني له صرحاً، لكن القرآن لم يقل إنه كان وزيراً لفرعون. قد يكون فعلاً وزيره، وقد يكون كاهنه الأكبر، وقد يكون مستشاره، وقد يكون كبير مهندسيه، وقد ... ، وقد ... وثانياً هذه أول مرة نسمع أن سِفْر "أستير" جزء من التوراة. إن التوراة هي الكتاب الذي أُنْزِل على موسى عليه السلام، أما سفر "أستير" فهو من كُتُب العهد العتيق التي لم ينزل أي شيء منها على موسى بل أُلَفَتْ بعده تأليفاً. وهذا الأحمق لا يفقه هذه الأوَّليّات، فكيف تواتيه نفسه على الدخول في تلك المآزق إلا أن يكون قد فقد عقله؟ وثالثاً فإن كاتب سفر "أستير" في العهد العتيق يقول إن أحشوروش كان ملكاً على

(1/124)


إمبراطورية تمتدّ من الهند إلى كوش، وتتألف من مائة وسبعة وعشرين إقليماًَ، وعاصمتها شوش، لكن صويحبنا الجاهل يقول إن هامان كان وزيراً في بابل!
والآن يبدأ التفنيد. وأول ما نذكر كافٍ وحده لنسف هذا الهراء، ألا وهو أن سِفْر "أستير" مجرد "قصة خيالية" كما يقول مفسّرو الكتاب المقدس أنفسهم. وقد أشرتُ منذ عد=ة سنوات في كتابي "مع الجاحظ في رسالة الرد على النصارى" إلى ما لاحظُته على هذا السفر من ركاكة الأسلوب والطابع "الحواديتي" والتوابل الجنسية الحِرَّيفة والتعمُّل الزائد والمصادفات المتكررة والمجافاة لمنطق العقل والتاريخ. وها هم أولاء المعلّقون على الترجمة الكاثوليكية، التي لم تكن بين يدىَّ في ذلك الوقت، يقولون الشيء ذاته تقريباًَ، فـ "تاريخية التفاصيل وجوهر السفر أيضاً تعترضهما صعوبات جمة على الرغم مما جاء من ملاحظات سديدة عن الأخلاق الفارسية وتوبوغرافية صحيحة عن مدينة شوش. من الممكن أن يكون اليهود قد تعرضوا لتعنيفات من هذا النوع في أثناء الحكم الفارسي، وقد جاء

(1/125)


المؤلف حول ذكرها قصة خيالية".
وحتى يكون القارئ علة بينّة من حقيقة هذا السَّفْر واستحالة أن يكون وحياً إلهياً يمكن الاستناد إليه في إثبات تلك الحادثة التاريخية التي يدور عليها والتي لا يوجد دليل على وقوعها، نذكر له إنه يَحْكِى قصة فتاة يهودية استطاعت، بما لها من أنوثة طاغية، أن تقود الملك الفارسي من أنفه وتجعله يغيرّ سياسة بلده مائة وثمانين درجة ليحتل اليهود فيها مكانة سامقة بعدما كانوا يُسامون الخسف والهوان. وفي القصة حديث عن غضب الملك على زوجته لسبب لا يدخل العقل، إذ كان طلب منها أن تتخذ أبهى زينتها وتظهر معه أمام الملوك والشعوب ليشاهدوا جمالها وفتنتها، وهو ما لا تقبله نخوة أهل الشرق، وبخاصة من الملوك. وقد رفضت الملكة هذا الطلب الغريب، فكانت النتيجة أن طلّقها، فتأمَّلْ أيها القارئ وتعَجَّبْ! ثم جُمِعَتْ للملك بعد هذا كل العذارى الفاتنات من أرجاء المملكة وانُتخِبَتْ منهن أجمل سَبْعِ فيهن، وكانت كل واحدة من هؤلاء السًّبْع تُهَيَّأ بالتحفيف والأدهان والعطور سنةً كاملة كي يقضي الملك معها ليلة قبل أن يقرر أيّتهن أصلح أن تكون زوجته ... إلى آخر هذا العهر

(1/126)


والدياثة المعروفين عن القوم. ورغم ذلك يريد رقعاء المبشرين منّا أن نصدق إنها حادثة تاريخية سجّلها الوحي الإلهي ويَبْغُون أن يحاكموا القرآن إليها.
وفي هذه القصة العُهْريّة أن الذي كان يتولى كِبْرَ اضطهاد اليهود هو هامان وزير الملك الفارسي أحشوروش. وهنا مربط الفرس، إذ يتساءل الحمقى: كيف انتقل هامان من قصر الملك الفارسي إلى قصر فرعون في مصر متقدماً هكذا في التاريخ مئات السنين؟ فانظروا بالله إلى هذه الوقاحة التي تريد أن تحاكم الحق إلى الباطل! ترى أين الدليل على أن هامان كان وزيراً أصلاً لأحشوروش؟ لقد ذكر القرآن أن هامان كان يشترك مع فرعون في اضطهاد بني إسرائيل في مصر، وأغلب الظن أن كاتب السَّفْر قد خلط بين وقائع اضطهاد اليهود في مصر ووقائع مشابهة في فارس القديمة فذكر هامان مع أحشوروش. لا تنس، أيها القارئ الكريم، ما قاله علماء القوم أنفسهم من أن سفر "أستير" هو مجرد قصة "خيالية" لا يُطْمَاَنْ إلى صحتها!
ثم إن في الكتاب المقدس وغيره من كتب هؤلاء الناس أخطاءً قائلة في الأسماء والتواريخ بحيث تُضْحِى محاولة اتخاذه معياراً في هذه القضية هي الهزل بعينه. لقد ذكرنا قبلاً أن لِحَمِى موسى عليه السلام في الكتاب المقدس ثلاثة أسماء، كما أشرنا إلى ما جاء فيه

(1/127)


من أن المسيح عندما يولد سيكون اسمه "عمانوئيل"، وهو ما لم يحدث، إذ لم تسمّه أمّه أو غيرها من أهل الكتاب أو من أهل القرآن أو من أية طائفة أخرى بهذا الاسم. وفي العهد العتيق أيضاً أن هارون أكبر من موسى بثلاثة أعوام، على حين إنه قد أشار بكل وضوح قبل ذلك بصفحات أن موسى هو أول من وُلِد لأبويه. ترى أي الروايتين نصدّق؟ وفيه أيضاً أن إسماعيل وُلِد لإبراهيم قبل إسحاق بأعوام، ومع هذا نفاجأ بعد قليل بأن إسحاق هو وحيد إبراهيم عليه السلام رغم إن إسماعيل كان حياً آنذاك وبعد ذاك بعشرات الأعوام. ومرة أخرى نتساءل. أيّ الكرمين نصدّق؟ وهل يمكن أن يكون هذا التناقض الفِجّ وحياَ سماوياً؟

(1/128)


وحتى لو كان هامان فعلاً وزيراً لأحشوروش الملك الفارسي، فهل ثمة ما يمنع أن يكون هناك شخص آخر اسمه "هامان" في مصر قبل ذلك؟ أم ترى هناك قانون حتمي يفرض أن يختصّ كل اسم بشخص واحد أو مكان واحد لا يعدوه؟ إن هناك أكثر من مدينة في العالم اسمها "Cairo"، وأكثر من مدينة اسمها "الإسكندرية"، وهناك مكانان على الأقل كلّ منهما يسمى "باريس": عاصمة فرنسا، وقرية مجهولة في صحراء مصر الغربية لولا أن د. أحمد أمين قد ذكرها في كتابه "حياتي" لما علم بها أحد. وهناك الزعيم الروسي "لينين" والكتاب المسرحي المصري "لينين الرملي"، وهناك "فرعون" مصر المذكور في القرآن و"فرعون" آخر جاء بعده بآلاف السنسن هو جدّ "رشاد فرعون" أحد رجال الحاشية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود، وهناك "رمسيس" أحد ملوك مصر القديمة و"رمسيس" رسام الكاريكاتير المعروف في مصر، وهناك "حيرم" ملك صور و"حيرم

(1/129)


الغمراوي" كاتب الأغاني المصري في عصرنا ... إلخ ... إلخ.
وفي الكتاب المقدس نفسه تتكرر ظاهرة اشتراك شخصين أو أكثر في نفس الاسم مع ما يفصل بينهمت من الأزمان الطويلة، مثل "يهوديت" المذكورة في سفر "التكوين" و"يهوديت" صاحبة السفر المشهور في ذلك الكتاب، و"أليعازر" بن هارون "وأليعازر" المذكور في سفر "المكّابّيين الثاني"، و"إسماعيل" بن إبراهيم عليهما السلام و"إسماعيل" بن آصيل في سفر "أخبار الأيام الأول"، و"يوسف" النبي و"يوسف" النجار، و"المسيح" شاول و"المسيح" عيسى بن مريم ... إلخ ... إلخ، فلماذا الإصرار إذن على أن "هامان" لا يمكن أن يكون إلا شخصاً واحداً فحسب هو وزير أحشوروش، مع أن السَّفْر الذي ورد فيه هذا الاسم لا يمكن أن يكون إلا من بُنَيًات الخيال؟
وفي التلمود نصّ يصف هامان وقارون بأنهما أغنى رجلين في الدنيا، وهذا الربط بين ذينك الشخصين له دلالته التي لا تَخْفَى ولايُعْقَل أن يكون هامان هنا هو الوزير الفارسي (إن كان لذلك الوزير وجود حقيقي) ، إذ لا علاقة بينه وبين قارون تسوَّغ ذكرهما معاً في هذا السياق، وهو يذكرّنا بالربط بينهما في سورة "القصص". ومما

(1/130)


يؤكد صحة ما جاء القرآن عن هامان أن هذا الاسم موجود في البرديّات المصرية بما يدل على إنه اسم مصري ويُخْرِس الطائشين الجهّال الذين يفكرون بألسنتهم دون عقولهم!
ويذهب بعض الباحثين إلى أن من الممكن جداً أن تكون قصة أستير في الأصل أسطورة بابلية أخذها اليهود وحرّفوها لتوائم أغراضهم: فهامان اسم أحد الآلهة العيلاميين، ومرد كاي اسم إله كلدانى، أما اسم أستير فليس ببعيد أن يكون تحويراً للإلهة عشتار، التي يُنْطَلق اسمها أيضاً "أشتار" و"عشتروت".
لهذا كله نستغرب أن يُقْدِم ذلك الأحمق على التهكم بالقرآن الكريم وليس في يده من دليل إلا هذا الهراء الذي سطّره مؤلف سفر "أستير"، زاعماً إنه تاريخ وثيق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. على أن هناك برهاناً آخر في غاية الأهمية يؤكد هذا الذي قلناه في المقارنة بين ما جاء في القرآن الكريم والعهد العتيق عن هامان، هو إنه ما من مرة قارناً فيها بين الكتابين إلا واتضح بجلاء تام أن الحق في صف القرآن. ولنأخذ مثلاً الملاحظات التالية التي سأحصرها في

(1/131)


قصة موسى وهارون لصلتها بهامان: فالعهد العتيق يقول إن أم موسى قد وضعت وليدها في التابوت (أو "السَّفَط" كما يسمونه) وظلت تحمله إلى أن وصلت قبالة قصر فرعون فوضعته بين الحَلْفاء حيث عثرت عليه ابنة فرعون فأخذته. أي أن التابوت لم يوضع في الماء رغم أن كاتب سفر "الخروج" يقول إن أم موسى قد طلت السَّفَط بالزفت والحُمَر بما يدل على أنها قد أعدَتْه لتضعه في النهر ورغم أنه ابنة فرعون تقول بعد ذلك بأسطر قليلة إنها انتشلته من الماء، أما القرآن الكريم فقد ذكر منذ البداية أن التابوت قد وُضِع في الماء قولاً واحداً.
كذلك فالعهد العتيق ينسب إلى موسى عليه السلام قَتْل المصري عن عمد وقسوة، على حين يؤكد القرآن إنه كان قتلاً خطأ لم يقصده موسى، بل كانت نيته ردع الظالم عن بَغْيه على الضعيف، وهذا هو الأليق بأخلاق من اصطفاه الله وربّاه على عينه كي يجعل منه رسولاً، أما ما قاله ملفَّق سِفْر "الخروج" فهو اشبه ما يكون بطبائع عتاة المجرمين أصحاب القلوب الجاسية التي لا تعرف الرحمة ولا الندم.

(1/132)


وبالنسبة لمعجزة اليد فإن العهد العتيق يؤكد أن يد موسى، عند وَعْه إياها فب عُبةً ثم إخراجها، كانت تستحيل "برصاء كالثلج"، أما القرآن فيقول إنها كانت تصير "بيضاء من غير سوء". وواضح أن القرآن الكريم، بهذا التذييل الأخير، يريد أن يرد على تهمة البَرَص، الذي لا يصلح بحال من الأحوال أن يُتَّخَذ معجزة لأن المعجزة إنما جُعِلَتْ لجذب الناس إلى صاحبها لا لتنفيرهم منه وصرفهم عنه وإشعارهم إنه مغضوب عليه من الله.
كذلك لا يمكن أن يكون ردّ موسى على ربه، عندما اصطفاه وأمَرَه بالذهاب إلى فرعون، بهذه الخشونة والجلافة التي وردت في العهد العتيق، إذ يجيب ربه قائلاً حسبما جاء في الترجمة البروتستانتية: "اسمع أيها السيد. لستُ أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس ولا من حين كلَمْتَ عبدك، بل أنا ثقيل الفهم و"اللسان"، و"استمع أيها السيد ... أَرْسِلْ بيد من ترسل"، حتى لقد "حَمِىَ غضب الرب على موسى" كما يقول المؤلف الكذاب. أما القرآن فيصّوره عليه السلام عبداً خاشعاً مُخْبِتاً لربه شاعراً بالمنّة الإلهية

(1/133)


التي اقتضت اختياره رسولاً إلى بني إسرائيل، وهذا هو الذي يتلاءم مع أخلاق النبيين.
وعلى خلاف القرآن الكريم، الذي يجعل من هارون نبياً مع موسى ووزيراً وعضّداً له ورِدْءاً يصدّقه، نرى مؤلف سفر "الخروج" يجعل منه "نبياً لموسى" لا "نبياً معه"، ويجعل من موسى "إلهاً لفرعون"، ولا أظن أن هناك من يخالف في أن ما ذكره العهد العتيق هو السخف بل الكفر، والعياذ بالله!
ويزعم سفر "الخروج" أن الله كان يكلم موسى "وجهاًَ لوجه كما يكلم المرء صاحبه"، وهو ما يتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم من إنه عليه السلام حين طلب من ربه أن يمكّنه من النظر إليه ردّ سبحانه قائلاً: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} . وهذا هو الذي يقبله المنطق، إذ كيف تستطيع حواسّنا الكليلة المحدودة أن ترى الله الرهيب الذي لاتحدّه حدود؟

(1/134)


ومن طوامّ العهد العتيق أيضاً اتهام كاتب سفر "الخروج" لهارون عليه السلام بأنه هو الذي صنع العجل لبني إسرائيل وبَنَى كذلك لعبادته مذبحاً حيث أخذ بنو إسرائيل، أثناء غياب موسى للقاء ربه فوق الجبل، يدورون حوله عراه كما ولدتهم أمهاتهم وهو يرقصون. وهي شِنْشِنةٌ يهودية أصلية في الإفتراء على رسل الله الكرام وإلصاق أشنع التُّهَم بهم تلذذاً بتشويه كل صورة إنسانية نبيلة. وعلى العكس من ذلك القرآنُ الكريمُ، الذي يؤكد أن صانع العجل هو السامري، أما هارون فقد حاول الوقوف في وجه هذه الفتنة التي لقيتْ من بني قومه التحمس والتهافت، إلا أنهم ظلوا في غيّهم سادرين. وفوق ذلك فرواية سفر "الخروج" تتناقض مع نفسها تناقضاً أبلق، إذ تقول إن موسى قد أمر بني لاوى (وهو واحد منهم) أن يقتلوا جميع ذويهم وأصدقائهم وأهل محلّتهم الذين اقترفوا خطيئة العجل، وأن محصّلة القتل كانت ثلاثة آلاف نفس، إذ يثور هنا (كما يقول أبو الأعلى المودودى) سؤال هام هو: لماذا لم يُقْتَل هارون أيضاً إذا كان هو صاحب عبادة العجل؟

(1/135)


وبغباءٍ منقطع النظير سببه الجهل والحقد والعناد يزعم العبد الفاضي أن في كلام القرآن عن نهاية فرعون تناقصاً، إذ يقول سبحانه في سورة "القصص"/40: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} ، بينما يقول في سورة "يونس"/91 - 92 مخاطباً فرعون عندما أدركه الغرق فصاح معلناً إيمانه: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} ، فيظن الجهول إنه - عز وجل - قج نجَّي فرعون من الموت! متى قال القرآن ذلك؟ وأين؟ واضح إنه قد فهم من قوله جل جلاله: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أن فرعون لم يمت. فهل هذا هو ما تقوله العبارة؟ إن معنى الكلام في الآية أن الله وعد بأن يطرح البحرُ جثته على الشاطئ فلا تأكلها الحيتان والأسماك في قاعه حتى يكون عبرة لمن وراءه، أما لو كان المقصود هو أن الله سينقذه من الغرق إلى مصر كأن شيئاً لم يكن فإنه لن يكون عبرة لغيره بل فتنة، إذ ها هو ذا يعود، بعد كل كفره وضلاله وبغيه وتألهه، إلى سلطانه وهيلمانه كرة أخرى!
وهذا هو الذي يقوله العهد العتيق أيضاً، بيد أن الجهل والحقد والعناد هو الذي صرف عَيْنَىِ الأبعد عنه فلم يقرأ ما جاء فيه من لَفْظ

(1/136)


البحر أبدانَ فرعون وجنوده بعد غرقهم، إذ قال مؤلف سفر "الحكمة": "وعَبَرَتْ بهم (أي عبرتْ رحمةُ الله ببني إسرائيل") البحر الأحمر وأجازتهم المياه الغزيزة. أما أعداؤهم فأغرقتْهم ثم قذفتْهم من عمق الغِمار على الشاطئ". ومن قبله قال مؤلف سفر "الخروج": "فغرّق الربُّ المصريين في وسط البحر، ورجعت المياه فغطّتْ مراكب وفرسانَ جميع جيش فرعون الداخليين وراءهم في البحر، ولم يبق منهم أحد، وسار بنو إسرائيل على اليَبَس في وسك البحر، والماء لهم سوّر عن يمينهم وعن شمالهم. وخلَّص الربُّ في ذلك اليوم إسرائيل من أيدي المصريين، ورأى إسرائيل المصريين أمواتاً على شاطئ البحر". ترى أفَهِم الأبعد أم على قلوب أقفالها؟
ومع العبد الفاضي نمضي فنتناول اعتراضه حول قارون، الذي ذكر القرآن أن الله أرسل إليه هو وفرعون وهامان تبيه موسى عليه السلام فكذّبوا واستكبروا وأمروا بتقتيل الأطفال الذكور من بني إسرائيل، حيث جاء في سورة "العنكبوت"/39: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا

(1/137)


كَانُوا سَابِقِينَ} ، كما جاء في سورة "غافر"/ 23 - 25: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} . أما اعتراض الأُحَيْمق فهذا نصُّه: "يتبادر إلى الذهن من هذه الآيات أن قارون وهامان مصريان من قوم فرعون وأنهما مع فرعون قاوموا موسى في مصر. ولكن هذا خطأ لأم قارون إسرائيلي لا مصري، ومن قوم موسى لا من قوم فرعون كما جاء في سورة "القصص"/76: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} (ص 29) .
هذا ما قاله الغبي النّزِق، وأنا أرجو القارئ أن يرجع إلى الأيتين الأُولَيَيْن ويُتْئِر فيهما النظر ثم يجيب على السؤال التالي: هل ذكر القرآن فيهما أو أوحى مجرد إيحاء أن قارون مصري حتى يقال إنه قد تناقض مع نفسه حين ذكر في آية "القصص" إنه من قوم موسى؟ إن كثيراً من الناس ينشقوُن على أبناء طائفتهم وينضمون إلى أعدائهم ويكونون في خدمتهم، وبخاصة حين تكون مصالحهم مع هؤلاء الأعداء. وقد كان قارون فاحش الثراء، وأغلب الظن أن هذا الثراء

(1/138)


سببه انحيازه إلى فرعون وملئه وتفانيه في خدمتهم وتعاونه معهم. فما المشكلة في ذلك؟ المشكلة في الواقع هي في عقل هذا الأُحَيْمِق لا في النصوص القرآنية البريئة التي يقوّلها الغبيّ ما ليس فيها.
* * *
ومما له صلة بموضوعنا واعترض به الطائش على الوحي الإلهي قوله إن القرآن قد ذكر أن الذي صنع العجل لبني إسرائيل في التَّيه هو السامري، على حين أن هارون هو الذي عمل هذا العجل بناءً على طلب قومه، أما السامري فكيف يمكن أن يصنعه قبل أن يكون للسامريين وجود؟ (ص 30) . يقصد أن "السامري" نسبةً إلى السامرة، التي لم تُبْنَ إلا بعد ذلك بزمن طويل.
لمن من قال إن "السامري" لا يمكن أن يكون إلا من أهل السامرة؟ هل هناك أولاً ما يقطع بأن "الياء" في هذا الاسم هي للنَّسب؟ ألا يمكن أن تكون في لغتها كالياء عندنا في "كرسيّ" و"زِبِنْيّ" و"بَرِدْيَ" مثلاً؟ ثم إن هذا الاسم قد يكون تحريفاً لكلمة "شومر" العبرية بمعنى "حارس أو خفير أو سمير". أما إذا كانت

(1/139)


الياء للنسب فقد تكون النسبة إلى "سامر" صاحب الجبل الذي أُقيمت عليه مدية "السامرة" فيما بعد، أو إلى "شيمر" (بالإمالة) ، وهو اسمّ مصري بمعنى "غريب" لا يزال حتى الآن منتشراً في مصر بعد تعريبه، أو إلى أي مكان آخر في أرض الكنانة أو غيرها، إذ قد تتعدد الأمكنة والأشخاص، والاسم واحد، وذلك مثل جبل الكرمل، الذي كان اسماً لجبلين مختلفين على حسب ما يقوله شراح العهد العتيق أنفسهم: أحدهما على البحر المتوسط، والآخر في أرض يهوذا. أم إنه حلال لهم وحرام علينا؟ ويرى عبد الله يوسف على أن من المحتمل أن تكون طائفة "السامريين" هي المنسوبة إلى "السامري" لا العكس.

(1/140)


وإن تعجب فعجبٌ أن يأنس هذا الببغاء الجرأةَ في نفسه فيهاجم القرآن فيما لا مجال فيه للطعن ويَعْمَى عن المشكلة التي تثيرها "أرض عوص" الوارد ذكرها في مطلع سِفْر "أيوب" بوصفها البلد الذي كان يسكنه ذلك الرجل. لقد وقف المفسرون الكتابيون حيارى لا يستطيعون تحديد "عوص" هذا، إذ "ورد في سلسلة المتقدمين ثلاثة يحملون هذا الاسم: أحدهم عوص بن أرام، والثاني عوص بن ناحور، والثالث عوص بن ديثان، فلا يُعْلَم أيهم المراد بنسبة هذه الأرض إليه"، بل إن موضع هذه الأرض غير معروف على وجه الدقة. كما أن اسم "سمعان القيرواتى" المعاصر للسيد المسيح في فلسطين يثير مشكلة أعقد من هذه كثيراً، إذ أين سمعان هذا من "القيروان" المنسوب إليها، وهي من بلاد تونس البعيدة التي تفصلها عن فلسطين آماد شاسعة، ولم تُبْنَ إلا بعد ذلك بقرون على يد عُبْة بن نافع سنة 762م؟
وقبل ذلك كله كيف يمكن أن يَتَّهِم عاقلٌ هارونَ عليه السلام بأنه هو صانع العجل، وهو نبي كريم أرسله الله للدعوة إلى الوحدانية؟

(1/141)


إن ذلك الاتهام ليس له من معنى سوى إنه سبحانه لم يحسن الاختيار، إذ انتقى شخصاً لتأدية مهمة ما، فإذا به يرسب في أول امتحان، ثم هو مع ذلك يظل متمسكاً به بل يأمر بقتل كل من اشترك في عبادة العجل ويُعْفِى الرأس الأكبر الذي تولَّى كِبْر الجريمة فصنع العجل وبنى له المذبح وأشرف على عملية الطواف والرقص العاري حوله في صخب وعُهْر! ولكن متى كان للقوم عقول يفكرون بها أو حتى آذان يسمعون بها؟
ومُضِياً مع تنطعه يفتعل العبد الفاضي مشكلةً من لا مشكلة، إذ يقول: "جاء في سورة "القصص"/76، 81: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ.... فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} ، ومعروف أن قارون القرآن هو كروسوس ملك ليديا (560 - 546 ق. م.) ، وهو عَلَمٌ على الغِنَى بين العرب وغيرهم. ولا يوجد ما يبرّر خلطة بقُورَح الذي ورد ذكره في التوراة، فلا علاقة لقارون بقورح الذي ثار مع

(1/142)


داثان وأبيرام على موسى ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم (العدد/ 16) " (ص 47) .
وكَنْساً لهذه الفضلات الفكرية نطرح السؤال التالي: من قال لهذا المتنطع إن القرآن بحديثه عن قارون هنا إنما كروسوس ملك ليديا؟ هل أطلعه الله على مراده وصّرح له بأنه، وإن قال في الآية الكريمة إنه كان من قوم موسى، فهو لا يقصد ذلك فعلاً بل هدفه تضليل أتباع محمد، أما الصواب فهو إنه الملك كروسوس؟ لقد عبث القوم بكتبهم وألفُوا كلاماً سخيفاً وعَزَوه إلى الله، والآن يحسبون بجهلهم أنهم يستطيعون أن يلعبوا نفس اللعبة القذرة مع القرآن الكريم! لقد قال الله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} ، ثم ذكر بَغْيَه على قومه وكيف انتهى أمره بأنْ خَسَفَ الله به وبداره الأرض وجعله عبرةً لمن يعتبر. وهذه القصة موجودة في العهد العتيق، وإن لم ينسب مؤلفها تمرد قارون إلى كثرة كنوزه بل إلى رغبته في مشاركة هارون الكهانة. والمعروف أن كتب القوم قد ضاعت بعد موسى بأجيال وكتبها لهم عزراً من الذاكرة، أما القرآن فكان يسجَّل غَضاَ فور نزوله، ولم يَضعِ منه شيء البتة. وقد رأينا فيما مضى من صفحاتٍ أمثلةً كافية لأخطاء العهد العتيق وتناقضاته، وما من مرة قامت فيها مقارنة بينه وبين القرآن فيما يوجد فيه دليل قاطع إلا وكان الفلج للقرآن، فلماذا

(1/143)


يأتي الأحمق بعد ذلك كله إذن ويقول ما قال؟ أهو مجرد عناد والسلام؟ وإذا كان القرآن يقصد كروسوس ملك ليديا، فما الذي منعه من أن يقول ذلك يا ترى؟
* * *
ومن اعتراضات جاهلنا أيضاً اعتراضه على ما جاء في سورة "ص"/55 من قول الحق تبارك وتعالى لأيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} إذ يعلّق الغبي قائلاً: "قال البيضاوي: "الضَّغْث: الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه. فاضرب به ولا تحنث: رُوِىَ أن زوجة أيوب ليّا بنت يعقوب (وقيل: رحمة بنت أفرايم بن يوسف) ذهبت لحاجة فأبطأت، فحلف إن برئ يضربها مائة ضربة، فحلّل الله يمينه بذاك. وهي رخصة باقية في الحدود". ونحن نسأل: كيف يصحّ لأيوب البارّ الصبور على ضياع أولاده وعبيده ومواشيه أن يغضب على زوجته، وهو المشهود له في التوراة باللطف والحلم، وخاصة مع زوجته، إذ قال لها: تتكلمين كلاماًَ كإحدى الجاهلات! أألخيرّ نقبل من الله، والشرَّ لا نقبل؟ " (أيوب /2/10) ؟ وكيف يصح لأيوب أن يتوعد زوجته بالضرب مائة ضربة لمجرد إيطائها؟ وكيف يحلف ليضربها مائة سوط فينصحه

(1/144)


الله أن يأخذ حزمة فيها مائة عود يضربها بها ضربة واحدة فلا تقع يمينه؟ وأين أيوب من يعقوب حتى يتزوج ابنته أو من يوسف حتى يتزوج حفيدته؟ والمعروف أن أيوب سابق ليعقوب ويوسف تاريخياً. وهذه القصة موجودة في خرافات اليهود القدماء" (ص 56) .
ونبدأ بخاتمة ما قال، ومفهوم الجملة الأخيرة من كلامه أن ما جاء في العهد العتيق عن أيوب هو الحق الذي لا مرية فيه، على عكس خرافات اليهود القدماء عن حَلِفه لَيَضْرِبَنّ ... إلخ. ولكن ماذا قال عنه العهد العتيق؟ في مطلع الفصل الثاني والأربعين مثلاً من "سفر أيوب" نجده يقول إنه كان "قد سمع الله من قبل بأذنه" فلم يقتنع بما قاله له، أما الآن وبعد أن "رأته عيناه" فإنه يرجع عما قاله من تجديفات في حقه سبحانه ويندم ندماً شديداً. وإننا لنسأل: أيمكن أن يرى أيُّ شخص الله سبحانه؟ يجيب العهد العتيق على هذا السؤال بأن موسى حين طلب من ربه فوق الجبل أن يريه مجده كان ردّه سبحانه وتعالى: "أمّا وجهي فلا تستطيع أن تراه لأنه لا يراني إنسان ويعيش"، وإن كان ملفّقو ذلك الكتاب قد أضافوا ببلاهة لا تخلو من الفكاهة أن الله قد استمر قائلاً: "هو ذا عندي موضع. قف على الصخرة، ويكون إذا مرَّ مجدي أني أجعلك في نقرة الصخرة وأظلك

(1/145)


بيدي حتى أجتاز، ثم أُزيل يدي فتنظر قفاي، أما وجهي فلا ترى". وهي حيلة ظريفة للالتفاف حول القانون الإلهي الذي يستحيل بناءً عليه رؤية الله، إذ ما علينا عندما نعلم باقتراب مرور الله من أمامنا إلا أن نضع أيدينا على عيوننا أو ننظر إلى الجهة المقابلة، حتى إذا ما تيقَّنّا من مروره سارعنا فأبصرنا قفاه! لكن فات الأبلة مؤلف هذه القصة أن يصف قفاه سبحانه! وعلى أية حال فإن العهد القديم كعادته يناقض نفسه في هذه القضية، إذ يقول في موضع آخر إن موسى "كان يكلمه الرب وجهاً لوجه كما يكلم المرء صاحبه". وهذا طبعاً هو الكلام غير الخرافي!
أما ما قاله البيضاوي أو غيره عن نسب زوجة أيوب فهو كلام من الكلام إن أصاب فيها ونعمت، وإلا فالخطأ خطؤه هو، ولا مدخل للقرآن في ذلك، ومن ثم لست أفهم كيف يحمّل جاهُلنا القرآن الكريم ما قاله البيضاوي رحمة الله عليه. كذلك لم يقل لنا القرآن شيئاً عن تفصيلات الضَّغْث الذي أمر الله أيوب أن يأخذه ويضرب به حتى لا يحنث، وعلى ذلك فلا داعي لإثارة زوبعة حول هذه النقظة دون داع. وحتى لو افترضنا أن المقصود هو ضرب زوجته بهذا

(1/146)


الضغث، فما وجه العيب في الحلّ الذي قدّمه الله له؟ لقد حلف الرجل أن يضرب زوجته، فدلَّه الله على طريقة ينفّذ بها قَسَمه دون أن يؤلم شريكة عمره، فما الخطأ في هذا؟ ثم إن هذا الجزء من قصة أيوب غير موجود في العهد العتيق، فِلمَ يسارع ذلك الجاهل بتكذيبه، وبخاصة أنه غير موجود أيضاً في القرآن الكريم؟ إن هذا كله عراك في غير معترك!
وكان الجاهل قد أورد كلام أيوب لزوجته طبقاً لرواية العهد العتيق بوصفه دليلاً على برّ أيوب أمام بلواه، وكذلك على لطفه وحلمه مع زوجته، مع أن بقية ذلك الكلام نفسه تنبئ عن حدّة وعنف في معاملته لها حيث يصف كلامها بأنه ككلام إحدى الجاهلات. ثم إن ما قالته هذه الزوجة لزوجها ليستحق ما هو أقسى من الحَلِف بضربها مائة ضربة، إذ استغربت صبره وتماسكه أمام محنَه وحاولت إغراءه بالتجديف على الله حتى يموت ويستريح. وهذا نص ما قالت: "أإلى الآن أنت معتصم بسلامتك؟ جدَّف على الله ومُتْ".
ولقد جدّف أيوب (أيوب العهد القديم لا أيوب النبي الكريم الذي نؤمن به نحن المسلمين) ، وتمرد على ربه، ولعن اليوم الذي وُلِد

(1/147)


فيه، وسَخِر من القضاء الإلهي الذي يصبَ الشقاء على الأبرار ويغمر الفجرة بألوان النعم والسعادة، وتمنّى لو كان هناك قاضٍ يحتكم هو والله إليه حتى يتبين لله ظلمه وخطؤه، وأخذ ينوح نواحاً متصلاً، وكلما حاول أحد أصدقائه تهدئته ولفت نظره إلى تجاوزاته مع الله لزداد سخطاً وتمرداً، وذلك على مدى عشرات الصفحات، مع بعض الفَيْئات القليلة إلى الرضا أثناء ذلك. أَفَمَنْ يتمرد ويجدّف على ربه على هذا النحو، أُيسْتَبْعدُ أن يحلف لَيَضْرِبَنً امرأته لإبطائها عليه؟ لا ننس أنه لا العهد العتيق ولا القرآن الكريم قد تعرض لهذه التفصيلة، ولكنني أردت أن أبين للقارئ سخف المنطق الذي سوّل لجاهلنا المسارعة إلى الأعتراض على البيضاوي.
وأخيراً وليس آخراً فإن الجاهل يحاجّ البيضاوي بأن "أيوب سابق ليعقوب ويوسف تاريخياً"، كما أن مؤلف سفر "أيوب" يذكر أنه كان يسكن في أرض عوص، التي تقول حواشي العهد العتيق الملحقة به في الترجمة الكاثوليكية إنها كانت مجاورة لأرض يهوذا، أي أنها كانت جزءاً من أرض فلسطين. وألان في ضوء كلام جاهلنا وما جاء في حواشي العهد العتيق نتساءل: كيف يقول كاتب سفر "أيوب" إذن إن أهل سبأ قد هجموا على بهائهم أيوب وقتلوا عبيده واستاقوا الإبل

(1/148)


أمامهم؟ أين أهل سبأ من فلسطين، وبالذات في ذلك الزمن الموغل في القدم حيث كانت وسائل المواصلات بدائية وشديدة البطء؟ لقد كانت سبأ في بلاد اليمن، وبينها وبين فلسطين مسافات صحرارية رهيبة، فكيف يأتي الرعاة منها ليهجموا على مواشي أيوب في تلك الأزمان السحيقة التي كانت وسيلة السفر فيه هي الأقدام أو ظهور الجمال على أحسن تقدير؟ وهذا لو كانت سبأ موجودة في ذلك الوقت، بَيْدَ أن مملكة سبأ لم تظهر إلى الوجود إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، على حين أن يعقوب، الذي يؤكد الأحمق المائق إنه متأخر في الزمن عن أيوب، كان يعيش في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، أي إنه كان باقياً على سبأ، لكي يكون لها مكان على خريطة الوجود، عشرة قرون أو تزيد! فتأمَّلْ واعجَبْ أيها القارئ!
وبالنسبة لمريم عليها السلام يقول المتنطع الذي يصر بغباء عجيب على أن يسعى بقدمه إلى هلاكه إن الآية 12 من التحريم قد ذكرت أن مريم هي ابنة عمران، فكيف يصح ذلك، والإنجيل يقول

(1/149)


إنها بنت هالي (لوقا/3/23) ؟ أم كيف يقول القرآن إنها بنت عمران أبى موسى وإنها أخت هارون مع أن بينها وبين عمران وهارون ألفا وستمائة سنة؟ (ص 30) .
والواقع أن هذا الكلام لا مكان له إلا المرحاض، وإليك البيان: أولاً "الإنجيل" هو ما نزل على عيسى عليه السلام من وحي سماوي فبلّغه قومَه لا هذه السَّيَر التي كتبها بعض المنتسبين إلى النصرانية بعد عشرات السنين والتي يحوط الشكٌ عند علمائهم أنفسهم شخصية مؤلفيها. فحِجَاج ذلك السفيه لنا إذن بأن الإنجيل قد قال كذا في هذه المسألة حجاج باطل لأننا لا نؤمن بإلاهية مصدر ما يسمَّى بإنجيل مرقس أو لوقا ... إلخ، لأن هذا الكلام إن كان هو يراه ملزماً فإنه لا إلزام لنا فيه.
وهذا كله لو كان في إنجيل لوقا أو غيره فعلاً أن مريم هي بنت هالي، وهو ما لا وجود له، أما المذكور في ذلك الإنجيل فهم سلسلة نسب المسيح، وفيها أنه (على ما يظن أبناء قومه) ابن يوسف بن عالى ... إلى آدم بن الله. ولا ذكر فيها البتة لمريم. فعلام يدل هذا؟ يدل على واحدة من ثلاث: أن الأبعد جاهل أو كذاب أو أحمق مجنون! وليختر لنفسه الصفة التي يحب، فلن نقف حائلين بينه

(1/150)


وبين ما يختار. ومع ذلك فعند النصارى رواية تقول إن مريم هي ابنة يواقيم، إلا أن هذه الرواية ليست محل ثقتهم. ومرة أخرى نتساءل: علام يدل هذا؟ ألا يدل على أن أمورهم كلها معجونة بماء الاضطراب والشك؟ فكيف بالله يجد مثل هذا الأحمق في نفسه البجاحة على تخطئة القرآن الكريم الذي لا يمكن أن يطوله الخطأ؟
وفضلاً عن ذلك فإن القرآن لم يقل إن مريم هي بنت عمران أبي موسى أو إنها أخت هارون أخى موسى، بل كل ما جاء فيه أنها "مريم ابنة عمران" فقط، وأن قومها حينما جاءتهم حاملةً وليدها، ولم تكن قد تزوجت، قالوا لها: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} ، أي أنها في القرآن هي أخت هارون ليس إلا،

(1/151)


والذي سماها كذلك ليس هو القرآن بل قومها. فانظر بالله عليك إلى هذا المدلَّس المفضوح الذي يتقوّل على القرآن الأكاذيب!
ثم إن القرآن مصدَّق فيما يقول، ومادام قد قال إن مريم هي ابنة عمران فلابد أن تكون ابنة عمران فعلاً، وبخاصة إنه ليس عند النصارى في هذا الصدد سوى رواية تفتقر إلى الثقة كما ذكرنا. وقد تكون تسميتها "ابنة عمران" هي تسمية مجازية كما سُمَّيَ يوسف النجار (الذي يقولون إنه كان خطيبها) بـ "يوسف بن داود" على لسان الله ذاته طبقاً لإنجيل متى، مع أن بين يوسف هذا ودواد عليه السلام نحو ثلاثين جيلاً حسبما جاء في ذلك الإنجيل نفسه، وكما سمي الأعمى (في إنجيل لوقا) المسيحّ عليه السلام بـ "يسوع بن داود" مرتين. وفي هذا الإنجيل أيضاً نسمع غنياً معاصراً للمسيح ينادي إبراهيم من الجحيم بـ "يا أبت"، ويرد عليه إبراهيم قائلاً: "يا ابني". وبالمثل يسمَّى المسيحُ ذاُته المرأة المنحنية الظَّهْر "ابنة إبراهيم". أما

(1/152)


النبّوة لله فما أسهلها وما أرخصها في الكتاب المقدس: فإسرائيل ابنه البكْر، وداود أيضاً ابنه البِكْر، وإفرائيم هو كذلك ابنه البِكْر! وقد رأيناه ما جاء في سلسلة نسب المسيح من أن آدم هو ابن الله، ولن ننسى بطبيعة الحال ما يقوله النصارى عن عيسى وبنوته هو أيضاً لله. وهناك، فوق هذا كله، "أبناء الله" التي أُطْلِقَتْ على ما لا أدري كم من الجماعات المختِلفة! فيا أيها الأحمق، مادامت ذمتكم واسعة بهذا الشكل، فلماذ تضيقون بتسمية مريم بـ "ابنة عمران" حتى لو كانت هذه تسمية مجازية؟ وفي هذه الحال سيكون القرآن مجرد حاكٍ لما كانوا ينادونها به حسب تقاليدهم في نسبة الشخص إلى جدَّ له بعيد مشهور. بعضاً من حمرة الخجل يا عقل العصفور! أما القول بأن فلاناً أو علاناً أو ترتاناً ابنّ لله فإن المسلمين لا يُقْدِمون على مثل هذه الشُّنْعة، إذ هم يعرفون مقام الألوهية وما يجب لها من الإجلال والتوحيد!
* * *

(1/153)


ويأخذ العبد الفاضي على القرآن ما يسميه "خَلْط الأسماء" حيث تقول الآيات 84 - 86 من سورة "الأنعام" عن إبراهيم عليه السلام: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} . ووجه اعتراض العبقري الذي لم تلده ولادة في السُّخْف وضلال العقل أن ترتيب الأنبياء هنا لا يجرى على ترتيبهم التاريخي (ص 36 - 37) .
وهذا اعتراض لا معنى له أبداً، فالقرآن لم يقل إن هذا هو ترتيبهم التاريخي، ولم يستعمل في العطف بين أسمائهم إلا "الواو"، وهي حرف لمطلق الجمع، أي لا تفيد ترتيباً، بخلاف "ثُمّ" و"الفاء". فهذان سببان كافيان لإخراس المتنطع، ومع هذا فإننا نسوق أيضاً المعلومة التالية التي لو كان عنده ذرة من حساسية لانشقّت الأرض بعدها وابتعلته كما ابتعلت قارون. يا أيها المتنطع، قبل أن تقذف بيوت الناس بالحجارة أنظر إلأى زجاج بيتك وخَفْ عليه أن يفكر الآخرون في الردّ على حجارتك الطائشة التي لا تفيدك شيئاً بحجر واحد يحطمه لك تحطيماً! وبيتك الزجاجي الذي أقصده هو أسفار الأنبياء في العهد العتيق التي لا تخضع لأي ترتيب تاريخي رغم أن ذلك

(1/154)


الكتاب قائم على ترتيب الأحداث التي وقعت لبني إسرائيل ترتيباً تاريخياً، إذ وردت تلك الأسفار فيه على النحو التالي: أشَعْيا ثم إرميا ثم باروك ثم حزقيال ثم دانيال ثم هوشع ثم يوئيل ثم عاموس ثم عوبديا ثم يونان ثم ميخا ثم نحوم ثو حبقوق ثم صفنيا ثم هجاى ثم زكريا ثم ملاخى، على حين أن الترتيب التاريخي هو عاموس، هوشع، أشعيا، ميخا، صفنيا، ناحوم، حبقوق، إرميا، حزقيال، حجاى، عوبديا، زكريا، يوئيل، دانيال، وهذا ليس كلامنا نحن بل كلام علمائكم.
ويستمر عقل العصفور في هجومه الصبياني الأخرق على القرآن الكريم فيتهمه بأنه مأخوذ من أقوال الحنفناء وأشعار امرئ القيس وقصص سلمان الفارسي وكُتب جهلة اليهود والنصارى (ص 185) . ولو كان عنده هو والذين أًزُّوه على هلاكه مُسْكة من عقل ما فتح هذا الباب الذي إنما يفتح به على نفسه أبواب الجحيم, ترى لو أن الرسول عليه الصلام والسلام قد أخذ كلام الحنفاء وجعله قرآناً، فِلمَ سكت منهم من ظلوا أحياء إلى ما بعد بعثته كورقة بن نوفل، الذي سارع إلى الإيمان به وأعلن أنه لو امتدّ به الأجل إلى اليوم الذي يُقْدِم القرشَّيون فيه على إيذائه وإخراجه من مكة فلسوف يقف إلى جانبه

(1/155)


وينصره نصراً مؤزراً، وكأمية بن أبي الصلت، الذي كان عازماً على الدخول في دعوته والانضواء تحت رايته لولا أن وقعت غزوة بدر، وسقط بعض أقاربه قتلى بسيوف المسلمين؟ ترى لم سكتوا فلم يقولوا: إن محمداً إنما تعلّم منا واستوحى قرآنه من كلامنا؟ ولِمَ سكت كذلك أولاد من مات منهم قبل البعثة وأقاربهم كما هو الأمر في حالة زيد بن عمرو بن نُفَيْل، الذي كان ابنه سعيد من أوائل من لَبَّوْا دعوة الرسول ثم تبعه ابن عمه وصهره عمر بن الخطاب؟
ولقد توفرت لأمية كل الدواعي لفضح محمد لو كان الرسول عليه السلام قد استمد قرآنه منه ومن أمثاله. فقد رثى هَلْكَى قريش في غزوة بدر بقصيدة حاثية بلغت الغاية في التفجع عليهم والتحريض على الإسلام والمسلمي. وهذه القصيدة موجودة في ديوانه وفي كتب السيرة والتاريخ والأدب، ومع ذلك تقرؤها من أولها إلى آخرها فلا تجد فيها كلمة واحدة تتّهم محمداً بشيء. كذلك كان هناك أبو عامر الراهب، الذي كان الغِلّ يلتهم قلبه والذي كان يتصل بالبيزنطيين في الشام يستعين بهم على حربه - صلى الله عليه وسلم - وكان له بين سكان المدينة عيون وأنصار، ومع ذلك كله لم يحدث أن قتح فمه بكلمة تتهمه عليه السلام بالأخذ من الحنفاء حتى ولا لابنه حنظلة، الذي تمرد عليه وانحاز إلى الرسول عليه الصلاة والسلام

(1/156)


واستُشْهِد في معركة أحد حيث بلغ تحريض أبيه وتآمره على النبي والمسلمين المدى الأبعد.
ويزعم الأحمق الكذاب أن القرآن في قوله تعالى في الآية 103 من "النحل": {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} قد شهد أن المقصود بالذي أملى القصص الفارسية على محمد هو سلمان الفارسي (ص 191) . لكن الآية، كما جلىّ لكل من لم تَعْمَ عيناه وبصيرته كصاحبنا الغبي الذي طمس اللع على فؤاده ومدّ على بصره غشاوة، ليس فيها أية إشارة إلى سلمان أو أي قَصَصٍ فارسي. هذه واحدة، أما الثانية فإن الآية مكية، وسلمان لم يظهر في الأفق الإسلامي إلا في المدينة بعد الهجرة بفترة، فكيف يمكن أن تتكلم الآية الكريمة عن شخص لم يكن له حتى ذلك الحين ولا إلى ما بعد ذلك بأعوامٍ وجودٌ في حياة النبي عليه السلام؟ أرأى القارئ كيف فقد أعداء الإسلام العقل والحياء على هذا النحو الشائن المخزي؟ ونأتي إلى الثالثة، والثالثة ثابتة كما يقولون: فالمعروف أن سلمان هو الذي سعى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في رحلة طويلة مرهقة طوّف فيها بعدد من بلدان الشرق الأوسط حتى وصل إلى يثرب حيث بِيعَ، وهو الشريف الفارسي، بَيْع العبيد، وانتهى أمره بالدخول في الإسلام وملازمة النبي

(1/157)


عليه السلام والمثابرة على خدمته وخدمة دعوته بكل سبيل. وكانت قصص الأنبياء والأمم السابقة وآدم وإبليس وغير ذلك قد أصبحت تملأ القرآ،، فلم تعد هناك حاجة إلى ما في جعبة سلمان، أو كما قال أحدهم ذات مرة في سخافة حقيرة: "إلى الكنز المعرفي الثمين" الذي كان في حوزة سلمان والذي يدَّعى ذلك الأفاك ما ادّعى أفَاكنا الحالي أن الرسول عليه السلام كان يستمد منه.
أما الشعر الذي أَفَكَ هذا الكذاب بأن القرآن قد أخذ منه بعض العبارات فهو الأبيات التالية التي تُنْسَب لامرئ القيس:
دنت الساعة، وانشقً القَمَرْ ... عن غزالٍ صادَ قلبي ونَفَرْ
مرَّ يومَ العيد بي في زينةٍ ... فرماني فتعاطى فعَقَرْ
بسهامٍ من لحاظٍ فاتكٍ ... فرً عنّى كهشِيم المحتظِر
وإذا ما غاب عني ساعةً ... كانت الساعة أدهى وأمرّ
كُتِبَ الحسن على وجنته ... بسحيق المسك سطراً مختصر
عادة الأقمار تسرى في الدجى ... فرأيت الليل يسرى بالقمر
بالضحى والليل من طُرّته ... فرقة ذا النور: كم شيء زهر
قلتُ إذ شقّ العذاُر خَدَّه: ... دنت الساعة، وانشقّ القمر

(1/158)


(185 - 186) . العبارات التي زعم الكذاب أن القرآن قد أخذها من هذا الشعر هي العبارات التي تحتها خط. والله إنى لاستعجب من كل هذا الغباء الذي سوّل للأحمق أن يقول هذا الذي قاله. تَعْساً لك يا عبد الفاضي وليومٍ ولدتك فيه أمك! إنما ولدتْك للشقاء، فيا ويلك ثم يا ويلك! أهذا شعر يقوله امرؤ القيس؟ إن الأبعد لا يشمّ، لأنه لو كان يشم لأغلق فمه المنتن فلم ينبس ببنت شفة في هذا الموضوع. إن الركاكة تسربل الأبيات من بدايتها إلى خاتمتها، ولم يكن الشعر الجاهلي يوماً (فضلاً عن أن يكون هذا الشعر لامرئ القيس) ركيكاً بهذا الشكل المزري، ثم إن القصيدة تتغزل في غلام، ومتى كان الجاهليون يتعزلون في الغلمان؟ إن هذه الظاهرة لم تنشأ إلا في العصر العباسي يا أيها الغبي الأبلة!
ثم هل أن يقول أي شاعر جاهلي: "دنت الساعة، وانشق القمر"؟ والجواب: "كلا" بالثُّلُث، فالجاهليون لم يكونوا يستخدمون كلمة "الساعة" للدلالة على يوم القيامة. بل إن يوم القيامة لم يكن جزءاً من عقائدهم، اللهم إلا نفراً ضئيلاً منهم هم الحنفاء، الذين كانوا مع ذلك لا يؤمنون أكثر من مجرد إيمان عام بأن هناك عالماً آخر، أما دنوّ هذا اليوم فلم يكن يجري لهم في بال. ثم أين امرؤ القيس رغم ذلك كله من الحنفاء؟ كذلك ففكرة "انشقاق القمر" هي من

(1/159)


الأفكار التي يستحيل خطورها في عقل أي شاعر جاهلي سواء كان المراد أن القمر قد انشق فعلاً كما تقول بعض الروايات الخاصة بأسباب نزول الآية الأولى من سورة "القمر" أو كان المراد مجرد الإشارة إلى أن القمر سينشق مستقبلاً مع قيام الساعة على عادة القرآن في استعمال الفعل الماضي في كثير من الأحيان للدلالة على أحداث القيامة والعالم الآخر. ذلك أنه على المعنى الأول يكون "انشقاق القمر" معجزة من المعجزات، والجاهليون لم يكونوا يؤمنون بالمعجزات، أما على المعنى الثاني فحتى الطائفة الضئيلة التي كانت تعتقد، كما قلنا، اعتقادا عاماً في العالم الآخر لم يكن في ذهنها أن انشقاق القمر هو من مقدمات القيامة، فما بالنا بامرئ القيس؟
ولقد نَقَّبْتُ ذات يوم في أشعار الجاهلية للبحث عن كلمة "العيد" فلم أجد إلا شاهدين اثنين لا غير، أما عبارة "يوم العيد" بأكملها فلا وجود لها في ذلك الشعر. ثم هل يقول الجاهليون في أشعارهم ما جاء في البيت الأول مما لا يستطيع الإنسان أن يعقل له معنى من أن القمر قد انشق عن غزال صاد قلب الشاعر ونفر، أو ما جاء في البيت الرابع من أن ذلك الغلام قد فرّ عن الشاعر كهشيم المحتظر؟ أم هل كان من الممكن أن يتصوروا كتابة منقوشة على وجنة إنسان؟ إن هذا من مظاهر الترف الحضاري الذي لم يكن ليخطر لهم على بال! أم هل

(1/160)


كانت قصائدهم تعرف ألفاظاً وعبارات مثل "الطُرّة" و"عادة الأقمار" و"حِرْتَّ في أوصافه" أو الركاكات التي تجعل الشاعر يكرر كلمة "أحور" في البيت الثاني مرتين، أو جملة "دنت الساعة وانشق القمر" في أول القصيدة وآخرها دون أدنى مسوّغ إلا الهذر والإسهال اللفظي؟ أم هل جمع أي شاعر جاهلي كلمة "قمر" كما في البيت السابع من القصيدة التافهة التي بين أيدينا؟ أم هل يمكن أن يخضع أي شاعر جاهلي لضرورة القافية بحيث يقول: "سطراًَ مختصر" بدل "سطراً مختصراً"، أو أن يخطئ فيقول: "لحاظ فاتكٍ" بدلاً من "لحاظ فاتكة"؟
وأخيراً لقد كنت أستطيع أن أريح نفسي منذ البداية فأقول إن هذه القصيدة لا وجود لها في ديون امرئ القيس ولا في ديوان أي شاعر جاهلي، لكنى أردت أن أبين أن أي إنسان عنده مزّية الشمّ يستطيع على مسافة أميالٍ أن يعرف أنها ليست لامرئ القيس ولا لأي شاعر جاهلي أو إسلامي أو أموي أو حتى عباسي رغم أن التغزل بالغلمان قد بدأ في أيام العباسيين كما سلف القول، إذ إن طابع عصور الإنحطاط في تاريخ الأدب العربي واضح فيها أشد الوضوح. ونفس الشيء نقوله في البيتين الآخرين اللذين نسبهما صُوَيْحِبنا الجاهل أيضاً لامرئ القيس (ص 186) ، وهما:

(1/161)


أقْبلَ والعشّاق من خلفه ... كأنهم من حَدَبٍ يَنْسِلون
وجاء يومَ العيد في زينةٍِ ... لمثل هذا فلْيعمل العاملون
وتَبْقَى كُتُب جَهَلة اليهود والنصارى: فأما النصارى فلو كان رسول الله قد تعلم شيئاً منهم لا نبرى له أَحَدُ من كان منهم في مكة أيام اضطهاد قومه له - صلى الله عليه وسلم -، مما من شأنه أن يغرى بتقوّل الأوقاويل عليه، قائلاً: "أنا الذي أخذتَ مني يا محمد كلامي وزعمتَ أنه قرآن ينزل عليك من السماء! ". ولقد ظهر النصارى مرة أخرى في حياته عليه الصلاة والسلام بالمدينة حين زاره وفد نصارى نجران، وفيهم سادتهم وعلماؤهم، فدعاهم عليه السلام إلى المباهلة، وهي قمة التحدي، فلماذا لم يقولوها؟ ولماذا لم يقلها بحيرا. الذي يطنطن المستشرقون أنه هو الذي علّمه عليه السلام؟ أما اليهود فإنهم لم يتركوا أي شيء يَرَوْنَ أنه يُفْسِد عليه أمره إلا وفعلوه، حتى لقد ذهبوا إلى قريش وزعموا أن أصنامهم ووثنيتهم وانحرافاتهم الأخلاقية خير من توحيد محمد وما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، كما تآمروا على قتله وطَعْن دينه في ظهره ووضعوا أيديهم في أيدي الأحزاب في غزوة الخندق ... إلخ، ورغم ذلك نراهم لم ينبسوا بكلمة واحدة عن أخذه المزعوم من كتبهم. ومعروف أن اليهود يتمتعون بوقاحة فائقة ولا يبالون أن يفتروا الكذب على أشرف الشرفاء، بيد أنهم خرسوا

(1/162)


تماماً في هذه المسألة، فعلام يدل هذا؟ وكيف تواتيك نفسك أيها المتنطع الكذوب بعد أربعة عشر قرناً من الزمان على توجيه مثل هذا الإتهام؟ إن الحياء هو خُلُق الكرام، وأنتم قوم لا تستحون، تماماً مثل المومس التي يعرف الناس جميعاً عهرها وفضائحها، ومع ذلك فإنها لا تشعر بذرة من خجل بل تقف في الشارع وتصيح بملء صوتها العاهر أنها أشرف نم كل نساء الدنيا وأنها وأنهن! أهذا غاية ما عندكم ممت تتهمون به سيد الخلق؟ أكل هذا من أجل أن دينه قد أنكر التثليثَ ووراثةَ الخطيئة وأبوّةَ الله لواحد من عبادة وشُرْبَ الخمر وأكْلَ الخنزير وتَرْكَ الختان؟ لقد ظلت حربكم هذه العَوَان مشنونة عليه وعلى دينه طوال القرون الأربعة عشر الخالية، ولكنها لم تؤدّ بكم إلى شيء! وإنكم لتظنون أن الهوان الذي أصاب المسلمين في هذه اليام النَّحِسات هو فرصتكم الذهبية للقضاء على دين سيد الخلق، وأنتم في ذلك واهمون وهم النائم الذي لم بتغطَّ جيداً فبانت سوأته وهو يحلم الأحلام ويظنها حقائق! إنكم لتناطحون جبلاً أشمّ، ولقد فقد عقلَه من تسوَل له نفسه أنه يستطيع تدمير الجبال بقَرْنىْ صرصور!
* * *
وتحت عنوان "الوحي الذي يشكّ فيه مبلغَّه" يسوق الشقيُّ اللعينُ قوله تعالى مخاطباً رسوله عليه السلام في بدايات الوحي:

(1/163)


{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (يونس/94) دليلاً على إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يشكّ في نبوته، فكيف يتوقع إذن من سامعيه أن يصدّقوه؟ ثم يستشهد بقول بولس إلى أهل غلاطية (1/8) : "إنْ بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشّرناكم فليكن أناثيماًَ (أي واقعاً تحت لعنة) " على أن هناك فرقاُ بين محمد، الذي يشك في الوحي الذي ينزل عليه، وبين بولس الواثق فيما كان يبشرّ به حسب كلامه (ص 82 - 83) .
ومقطع الحق أنه ليس في الآية الكريمة ما يدل على إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يشك آنئذ في الوحي، فإنّ حرف الشرط "إنْ" يدل على استحالة الفعل أو استبعاد حدوثه على أقل تقدير، وإنما هو ضرب من تثبيت القلب، إذ كان قومه يكذّبون ويفترون عليه الاتهامات، فبيّن القرآن له أنه على الحق فلا ينبغي أن يبالي بافتراءات المفترين، وإذا كان قومه يكذبونه ويرفضون دعوته فها هم أولاء الذين يقرأون الكتب من قبله، فليسألهم إن أحبّ، ولسوف يجيبونه بأن نبوته معروفة عندهم وأن الناموس الذي ينزل عليه هو نفسه الناموس الذي كان ينزل على إخواته الأنبياء من قبل. إنه نفس الجواب الذي

(1/164)


سمعه قبلاً من ورقة بن نوفل. ومع ذلك فإنه عليه السلام لم يشكّ ولم يسأل، وقد وردت الروايات بذلك، إذ كان جوابه عندما نزلت عليه تلك الآية. "أنا لا أشكّ ولا أسأل". وحتى لو كان عليه السلام قد توقف أمام هذا الحديث العجيب الذي حوّل حياته وحياة البشرية ومسيرتها الحضارية تحويلاً، فماذا في هذا؟ إنه يدل على أنه لم يخترع الوحي كما يفترى عليه أعداء الإسلام، إذ المخترع لا يشك ولا يتوقف، فضلاً عن أن يعلن هذا على الملأ، وإنما كان يبغي اليقين المطلق، وهذه قمة الموضوعية. وعلى أية حال فإن حرف الشرط "إنْ" الموجود في أول الآية الكريمة موجود أيضاً في أول عبارة بولس: "إنْ بشّرناكم ... إلخ"، فهل يقول المتنطع الجهول إن بولس يعترف بأن من الممكن أن يبشّر أهل غلاطية بغير ما كان يبشرهم فعلاً به؟ ولقد خاطب الله رسوله قائلاً: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} ، ومستحيل في الإسلام وفي منطق العقل أن يكون لله ولد. ألا يرى العبد الفاضي أنه كالحمار يحمل أسفاراً؟
وإني لاستغرب كيف لم يفكر الغبي مثلاً في صيحة عيسى عليه السلام على الصليب حسب مزاعم العهد الجديد: "إلهي: إلهي، لماذا تركتني؟ "، إذ ليس لها من معنى إلا أنه لما جَدَّ الجِدّ نسى كل ما

(1/165)


اتفق عليه مع أبيه (أو بالأحرى: مع إلهه طبقاً لكلامه هو) من إنه سيُصْلَب تكفيراً عن خطايا البشرية، فأخذ يبكي ويصيح عبثاً دون جدوى! فذلك هو الذي ينبغي أن يشغل ذلك المتنطعُ به نَفْسَه لا بتقحُّم تفسير القرآن برعونة وجهل! هذا، ولا أريد أن أشير إلى اجتراء إبليس على المسيح (وهو الله عندهم) وأخذه إياه إلى قمة الجبل كي يخابر إيمانه، ولا إلى تعميدِ يحيى عليه السلام له، أي تعميد العبد للربّ ... إلخ، وهو كثير!
* * *
ويستمر التعيس في تخبطاته فيقول إن قوله عز شأنه في الآية 23 من "المائدة" عن يهود المدينة: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} ؟ ، وقوه جلَّ وعلا عن النصارى في الآية 47 من نفس السورة: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، دليل على أن التوارة والإنجيل اللذين كانا في أيدى اليهود والنصارى صحيحان (ص 83) وهو فهم غبي، وإنما يريد القرآن أن يوضح لليهود نفاقهم وتخبطهم حيث يرفضون نبوة محمد، وفي ذات الوقت يأتون إليه طالبين منه أن يصدر حكمه على زانيين منهما، فقال لهم: إن في كتابكم العقوبة الخاصة بالزنا، فلماذا تتجاهلونها وتظنون أن رسول الله سوف يحكم

(1/166)


عليهما بحكم آخر أخفّ؟ ولقد عبث اليهود فعلاً بتوارتهم، إلا أن هناك مواضع وأحكاماً فيها لم تمسسها يد العبث، ومنها رجم الزناة. فهل إذا قال القرآن الكريم إن حكم الزني الموجود في العهد العتيق هو حكم صحيح كان معناه أن كل ما في ذلك الكتاب صحيح؟ أما قوله - عز وجل -: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} فهو يتحدث عما أنزله الله على عيسى لا ما أضافته أو حرفته يد الإفساد. ولقد كان مما أنزله الله على عيسى التبشيرُ بنبوة محمد، وهو مما أمر الله أهل الإنجيل أن يحكموا به فيدخلوا في دين محمد ويعتنقوا التوحيد بدل التثليث ويَعِفّوا عن لحم الخنزير وما إلى ذلك مما أدخله بولس وأمثاله في ديانة عيسى، وهي منه براء، فهذا هو معنى الآية، لكن القلوب الغُلْف لا تفهم!
وبالله التوفيق!

(1/167)


 

Twitter

Facebook

Youtube