نور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسنة
الكتاب: نور السنة وظلمات البدعة في ضوء الكتاب والسُّنَّة رسائل
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
(/) بسم الله
الرحمن الرحيم
(1/3) القلب،
مستنير القلب، قد انقاد لأمر الله واتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- ظاهراً وباطناً.
(1/4) المطلب
السابع: أنواع البدع عند القبور.
(1/5)
المبحث
الأول: نور السنة
(1/6)
والسنة في
اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: الهدي الذي كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه: علماً
واعتقاداً، وقولاً، وعملاً، وهي السنة التي يجب اتباعها ويُحمد أهلُها،
ويُذمُّ من خَالَفها؛ ولهذا قيل: فلان من أهل السنة: أي من أهل الطريقة
الصحيحة المستقيمة المحمودة (1).
(1/7)
والجماعة في
اصطلاح علماء العقيدة الإسلامية: هم سلف الأمة: من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين
اجتمعوا على الحق الصريح من الكتاب والسنة (1).
(1/8) - رضي
الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((افترقت اليهودُ
على إحدى وسبعين فرقةً، فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت
النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعين فرقة في النار، وواحدة في
الجنة، والذي نفسُ محمدٍ بيده لَتَفْتَرِقَنَّ أمتي على ثلاثٍ وسبعين
فرقة، واحدةٌ في الجنة، واثنتان وسبعون في النار))، قيل: يا رسول الله،
من هم؟ قال: ((الجماعة)) (1)، وفي رواية الترمذي عن عبد الله بن عمرو:
قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي)) (2).
(1/9) طائفة من
أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك))
(1)، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما نحوه (2).
(1/10) 6 - أهل
السنة خيار الناس ينهون عن البدع وأهلها، قيل لأبي بكر بن عياش مَنِ
السُّنّي؟ قال: ((الذي إذا ذُكِرَتِ الأهواء لم يتعصبْ إلى شيءٍ منها))
(1). وذكر ابن تيمية رحمه الله: أن أهل السنة هم خيار الأمة، ووسطها
الذين على الصراط المستقيم: طريق الحق والاعتدال (2).
(1/11)
8 - أهل
السنة هم الذين يحملون العلم:
(1/12) خصهم بها،
وجعلهم أهل الرفيق الأعلى حيث يقول تعالى: {وَمَن يُطِعِ الله
وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ
أُولَئِكَ رَفِيقًا} (1).
(1/13) ثانياً:
النعمة المقيدة: كنعمة الصحة، والغنى، وعافية الجسد، وبسط الجاه، وكثرة
الولد، والزوجة الحسنة، وأمثال هذا، فهذه النعمة مشتركة بين البر
والفاجر، والمؤمن والكافر؛ وإذا قيل: لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار
فهو حق، والنعمة المقيدة تكون استدراجاً للكافر والفاجر، ومآلها إلى
العذاب والشقاء لمن لم يُرزق النعمة المطلقة (1).
(1/14) النَّاسِ
كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ
زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (1)، والله الموفق
(2).
(1/15) ومتابعته
في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحسّ، والعيان (1).
(1/16) ترى الحق
في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة،
وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة، وإذا قسمت الأنوار يوم
القيامة دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم،
وهذه الظلمة، التي خلق فيها الخلق أولاً، فمن أراد الله - سبحانه وتعالى
- به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها (1).
(1/17)
المبحث
الثاني: ظلمات البدعة
(1/18) الثاني))
(1). ((وكان الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم: أن الأعمال عبادات
وعادات))، فالأصل في العبادات أنه لا يُشرع منها إلا ما شرعه الله،
والأصل في العادات أنه لا يحظر منها إلا ما حظر الله)) (2).
(1/19) عادية لا
بدعة فيها، ومن حيث يتعبّد بها، أو تُوضع وضع التّعبُّد تدخلها البدعة،
فحصل بذلك أنه جمع بين التعريفين، ومثل للأمور العادية التي لابدّ فيها
من التعبُّد: بالبيع، والشراء، والنكاح، والطلاق، والإيجارات، والجنايات
... لأنها مقيّدة بأمور وشروط وضوابط شرعية لا خيرة للمكلَّف فيها (1).
(1/20) الناس في
زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحداناً، وهو - صلى الله عليه وسلم
- صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك مُعلِّلاً، بأنه خشي
أن يُكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمن بعده - صلى الله عليه
وسلم - (1).
(1/21) فمن أخلص
أعماله لله، متّبعاً في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا الذي
عمله مقبول، ومن فقد الإخلاص، والمتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم
-، أو أحدهما فعمله مردود داخل في قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} (1)، ومن جمع
الأمرين فهو داخل في قوله - عز وجل -: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ} (2)، وفي قوله تعالى: {بَلَى
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ
رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (3)، فحديث عمر
- رضي الله عنه -: ((إنما الأعمال بالنيات)) ميزان للأعمال الباطنة،
وحديث عائشة رضي الله عنها: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))
ميزان للأعمال الظاهرة، فهما حديثان عظيمان يدخل فيهما الدين كلّه:
أصوله، وفروعه، ظاهره وباطنه، أقواله، وأفعاله (4).
(1/22) قد يعاند
بعض الفاعلين في بدعة سُبِقَ إليها، فإذا احتُجَّ عليه بالرواية الأولى
يقول: أنا ما أحدثت شيئاً، فيُحتجّ عليه بالثانية التي فيها التصريح بردّ
كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو غيره سبق بإحداثها)) (1).
(1/23) الاختلاف
الحائدين عن الصراط وهم أهل البدع (1)، فهذه الآية تشمل النهي عن جميع
طرق أهل البدع (2).
(1/24) أَوْ مِن
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً} (1).
(1/25) في
النار)) (1).
(1/26) 7 - وعن
حذيفة - رضي الله عنه - قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول
الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير
من شر؟ قال: ((نعم))، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه
دَخَنٌ))، قلت: وما دَخَنُهُ؟ قال: ((قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير
هديي، تعرف منهم وتُنكر))، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: ((نعم،
دُعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها))، فقلت:
(1/27) وأصحاب
المحنة)) (1).
(1/28) 3 - وقال
عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ((اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم،
كل بدعة ضلالة)) (1).
(1/29) 4 - وقال
الإمام مالك رحمه الله: ((من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم
أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة؛ لأن الله يقول:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (1)، فما لم يكن يومئذ ديناً،
فلا يكون اليوم ديناً)) (2).
(1/30)
المطلب
الرابع: أسباب البدع
(1/31) وقال
سبحانه: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا
وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (1).
(1/32)
الْعِقَابِ} (1)، وقال - عز وجل -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلالاً مُّبِينًا} (2).
(1/33) لأهل
السوء يندم، قال - سبحانه وتعالى -: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى
يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً *
يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً * لَقَدْ
أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِلإِنسَانِ خَذُولاً} (1)، وقال - عز وجل -: {وَإِذَا رَأَيْتَ
الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ
فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (2)،
وقال - سبحانه وتعالى -: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ
إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ
تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ
إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ الله جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ
فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (3)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما
مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك
إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ
الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحاً خبيثة)) (4).
(1/34)
الَّلاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ
فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (1)،
وقال - عز وجل -: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ
الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (2)،
وقال - سبحانه وتعالى -:
(1/35) ويفعلون
ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن،
ومن جاهدهم بقلبهم فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خرْدل))
(1).
(1/36) بالكفار
هو الذي حمل بني إسرائيل على أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو الذي حمل
أصحاب النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - على أن يسألوه أن يجعل لهم شجرة
يتبَّركون بها من دون الله - عز وجل -، وهكذا غالب الناس من المسلمين،
قلّدوا الكفار في عمل البدع والشركيات، كأعياد المواليد، وبدع الجنائز،
والبناء على القبور، ولا شك أن اتباع السَّنَن باب من أبواب الأهواء،
والبدع (1) ويزيد ذلك وضوحاً حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لَتتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان
قبلكم: شِبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دخلوا في جحر ضبٍّ
لاتّبعتموهم)) قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن))؟ (2)،
قال الإمام النووي رحمه الله: ((السَّنَن، بفتح السين والنون: وهو
الطريق، والمراد بالشبر، والذراع، وجحر الضب: التمثيل بشدّة الموافقة في
المعاصي والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - صلى
الله عليه وسلم -،فقد وقع ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم -)) (3).
(1/37) فظهر أن
الشبر، والذراع، والطريق، ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما
نهى الشرع عنه وذمّه (1)، وقد حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن
التشبّه بغير أهل الإسلام، فقال: ((بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى
يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلُّ
والصغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم)) (2).
(1/38) ثم تتابع
الرسل عليهم الصلاة والسلام (1)، والغلوّ يكون: في الأشخاص، كتقديس
الأئمة، والأولياء، ورفعهم فوق منازلهم، ويصل ذلك في النهاية إلى
عبادتهم، ويكون الغلوّ في الدين، وذلك بالزيادة على ما شرعه الله، أو
التشدّد والتكفير بغير حق، والغلوّ في الحقيقة: هو مجاوزة الحد في
الاعتقادات، والأعمال، وذلك بأن يزاد في حمد الشيء، أو يُزاد في ذمّه على
ما يستحق (2)، وقد حذَّر الله عن الغلوّ فقال - عز وجل - لأهل الكتاب:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} (3)، وحذّر النبي -
صلى الله عليه وسلم - من الغلوّ في الدين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إياكم والغلوّ في الدين،
فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين)) (4)، فظهر أن الغلوّ في الدين
من أعظم أسباب الشرك، والبدع، والأهواء (5)؛ ولخطر الغلوّ في الدين حذّر
النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإطراء فقال: ((لا تطروني كما أطرت
النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)) (6). (1/39) |